فهرس الكتاب

الصفحة 424 من 1202

(حديث: «مَا مِنْ أَحَدٍ يَشْهَدُ أَنْ لاَ إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ وَأَنَّ مُحَمَّدًا رَسُولُ اللَّهِ، صِدْقًا مِنْ قَلْبِهِ، إِلَّا حَرَّمَهُ اللَّهُ عَلَى النَّارِ» ، قَالَ يَا رَسُولَ اللَّهِ: أَفَلاَ أُخْبِرُ بِهِ النَّاسَ فَيَسْتَبْشِرُوا؟ قَالَ: «إِذًا يَتَّكِلُوا» وَأَخْبَرَ بِهَا مُعَاذٌ عِنْدَ مَوْتِهِ تَأَثُّمًا)

(إِلَّا حَرَّمَهُ اللَّهُ عَلَى النَّارِ) : قال الطيبي: (صدقًا) أقيم هنا مقام الاستقامة؛ لأن الصدق يعبر به قولًا عن مطابقة القول المخبر عنه، ويعبر به فعلًا عن تحري الأخلاق المرضية، كقوله تعالى: {والذي جاء بالصدق وصدق} [الزمر:33] ؛ أي: حقق ما أورده قولًا بما تحراه فعلًا. انتهى.

وأراد بهذا التقرير كما في (( الفتح ) ): رفع الإشكال عن ظاهر الخبر؛ لأنه يقتضي عدم دخول جميع من شهد الشهادتين

النار؛ لما فيه من التعميم والتأكيد، لكن دلت الأدلة القطعية عند أهل السنة على أن طائفة من عصاة الموحدين يعذبون في النار، ثم يخرجون منها، فظاهره غير مراد، بل هو مقيد بمن عمل الأعمال الصالحة، ولخفاء ذلك لم يؤذن لمعاذ في التبشير به.

وأجاب العلماء عن ذلك أيضًا بأجوبة أخرى:

منها: أن مطلقه مقيد بمن قالها تائبًا، ثم مات على ذلك.

ومنها: أن ذلك كان قبل نزول الفرائض ورد: بأن مثل هذا الحديث وقع لأبي هريرة، كما في مسلم، وإسلامه متأخر، وورد نحوه من حديث أبي موسى، كما رواه أحمد بسند حسن، وكان قدومه في السنة التي قدم فيها أبو هريرة.

ومنها: أنه خرج مخرج الغالب من أن الموحد يعمل الطاعة ويجتنب المعصية.

ومنها: أن المراد بتحريمه على النار: تحريم خلوده فيها.

ومنها: أن المراد: النار التي أعدت للكافرين.

ومنها: أن المراد بتحريمه: تحريم جملته؛ لأن النار لا تأكل مواضع السجود من المسلم، وكذا لسانه الناطق بالتوحيد، ومعنى: (حرمه الله على النار) : منعه من دخولها، وفي معناه: (حرم الله عليه النار) ؛ لتلازمهما معنى، وإن اختلفا مفهومًا.

وقال الكرماني: فإن قلت: هل فرق بين: (حرمه الله على النار) ، وما ورد في القرآن من: {حرم الله عليه الجنة} [المائدة:72] ؟

قلت: يحتمل أن يقال: النار منصرفه، والجنة منصرف منها، والتحريم إنما هو على المنصرف أنسب، فروعي المناسبة في الموضعين، والاستثناء من أعم عام الصفات؛ أي: ما أحد يشهد كائنًا بصفة إلا بصفة التحريم.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت