(حديث: قَوْلِ النَّبِيِّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «إِنَّكَ امْرُؤٌ فِيكَ جَاهِلِيَّةٌ» وَقَوْلِ اللَّهِ تَعَالَى: {إِنَّ اللَّهَ لاَ يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَنْ يَشَاءُ} [النساء: 48] )
قول السعد والدواني: إن مرتكب الذنب عند الخوارج مطلقًا كبيرًا أو صغيرًا يكفر بذلك اللهم إلا أن يكون هذا مذهبًا لبعضهم أو يكون المراد إذا أصر على الصغيرة فتأمل.
قال ابن المنير: تلطف البخاري في القول؛ لأنه لما قرر بالتراجم المتقدمة أن الطاعات داخلة في مسمى الإيمان، وأبعاض له توقع أن يقال: لو كان كذلك لكانت المعاصي أبعاضًا للكفر، ولكان العاصي كافرًا كفرانًا ناقصًا، فقرر أن المعاصي تدخل في مسمى الجاهلية، والجاهلية كانت كفرًا، ولهذا يقال لمن خالف بعض المخالفة: فيك جاهلية، وكأن إطلاق الكفر على الإيمان إنما منعه الله فضلًا منه؛ لأن رحمته سبقت غضبه، فوسع في باب الرحمة، وفسح في إطلاق الطاعات على الإيمان ولم يفسح في باب الغضب فلم يأذن في إطلاق الكفر على الإيمان وإن كانت شعبًا له وعلامات له ويخشى منها التدرع إليه. انتهى.
ونظر فيه في (( المصابيح ) ): بأن الشارع سمى آثار الكفر كفرًا كما سمى آثار التصديق إيمانًا في قوله: (من رغب عن الله فقد كفر) ، (اثنان في الناس هما بهم كفر الطعن في النسب والنياحة) ، (أيما عبد أبق من مواليه فقد كفر حتى يرجع إليهم) ، (لا ترجعوا بعدي كفارًا يضرب بعضكم رقاب بعض) ، وإن كانت هذه الأفعال من آثار الكفر؛ لأن الكافر لا يبالي ما فعل إذ لا يرجو ثوابًا ولا يخاف عقابًا فيكثر إقدامه على المعاصي والمخالفات. انتهى.
وأقول: مراده بقوله: لم يأذن في إطلاق الكفر على الإيمان إذنًا مطلقًا،
وإنما أذن إذنًا مقيدًا بدليل ما نقلناه عنه في الترجمة السابقة فاعرفه وتأمل.
(وَقَوْلِ اللَّهِ تَعَالَى) : بالجر دليل ثان، وللأصيلي: ، ولأبي ذر عن الكشميهني: ( {إِنَّ اللَّهَ لاَ يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ} [النساء:48] ) : أي: يكفر به ولو بتكذيب نبيه؛ لأن من جحد نبوة محمد صلى الله عليه وسلم مثلًا فهو كافر ولو لم يجعل مع الله إلهًا آخر، والمغفرة منفية عنه بلا خلاف.