(حديث: «إِنَّ أَتْقَاكُمْ وَأَعْلَمَكُمْ بِاللَّهِ أَنَا» )
وأشار بأتقاكم: إلى كمال القوة العلمية وبأعلمكم: إلى كمال القوة العلمية. والتقوى على ثلاث مراتب: وقاية النفس عن الكفر: وهي للعامة، وعن المعاصي: وهي للخاصة، وعما سوى الله: وهو لخواص الخواص، والعلم بالله يتناول: ما بصفاته: وهو المسمى بأصول الدين، وما بأحكامه: وهو فروع الدين، وما بكلامه: وهو علم القرآن وما يتعلق به، وما بأفعاله: وهو معرفة حقائق أشياء العلم.
ولما كان رسول الله صلى الله عليه وسلم جامعًا لأنواع التقوى حاويًا لأقسام المعلوم لم يخصص التقوى، ولا العلم، بل أطلق وهذا قريب مما قال علماء المعاني: قد يقصد بالحذف إفادة العموم والاستغراق، ويعلم منه: أن رسول الله صلى الله عليه وسلم كما أنه أفضل من كل أحد وأكمل وأكرم عند الله؛ لأن كمال الإنسان منحصر في الحكمتين العلمية والعملية، وهو الذي بلغ الدرجة العليا والمرتبة القصوى في الجميع، فمن ثم خاطبهم على العموم من غير تقييد بالمضاف إليه.
فلذا قال في (( المصابيح ) ): فإن قلت: السياق يقتضي تفضيله على المخاطبين فيما ذكر وليس هو منهم قطعًا فقد فُقِدَ شرط استعمال أفعل التفضيل مضافًا.
قلت: إنما قصد التفضيل على كل من سواه مطلقًا لا على المضاف إليه وحده والإضافة لمجرد التوضيح فما ذكر من الشرط ليس لاغ إذ يجوز في هذا المعنى
أن تضيفه إلى جماعة هو أحدهم نحو: نبينا أفضل قريش، وأن تضيفه إلى جماعة من جنسه ليس داخلًا فيهم نحو: يوسف أحسن إخوته، وأن تضيفه إلى غير جماعته نحو: فلان أعلم بغداد؛ أي: أعلم ممن سواه وهو مختص ببغداد؛ لأنها مسكنه أو منشؤه. انتهى.