(حديث: «يُعَذَّبَانِ، وَمَا يُعَذَّبَانِ فِي كَبِيرٍ» ثُمَّ قَالَ: «بَلَى، كَانَ أَحَدُهُمَا لاَ يَسْتَتِرُ مِنْ بَوْلِهِ، وَكَانَ الآخَرُ يَمْشِي بِالنَّمِيمَةِ» . ثُمَّ دَعَا بِجَرِيدَةٍ، فَكَسَرَهَا كِسْرَتَيْنِ، فَوَضَعَ عَلَى كُلِّ قَبْرٍ مِنْهُمَا كِسْرَةً، فَقِيلَ لَهُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، لِمَ فَعَلْتَ هَذَا؟ قَالَ: «لَعَلَّهُ أَنْ يُخَفَّفَ عَنْهُمَا مَا لَمْ تَيْبَسَا» أَوْ: «إِلَى أَنْ يَيْبَسَا» )
وقال الطيبي: الحكمة في كونهما يمنعان العذاب ما دامتا رطبتين غير معلومة لنا كعدد الزبانية.
وقال المازري: يحتمل أن يكون أوحي إليه أن العذاب يخفف عنهما هذه المدة، ولا ظهر له وجه غير هذا، وتعقبه القرطبي بأنه: لو علم بالوحي لما أتى بحرف الترجي.
قال في (( الفتح ) ): ولا يرد عليه ذلك إذا حملناها على التعليل.
وقال القرطبي: قيل: إنه شفع لهما هذه المدة كما صرح به حديث جابر؛ لأن الظاهر: أن القضية واحدة، وكذا رجح كون القصة واحدة النووي، وفيه نظر للمغايرة بينهما، وتقدم ذلك.
وقال الخطابي: هو محمول على أنه دعا لهما بالتخفيف عنهما مدة بقاء الرطوبة فيهما لما وقعت له المسألة من تخفيف العذاب عنهما، مدة رطوبتهما، لا لأن في الجريد معنى يخصه، ولا لأن في الرطب معنى ليس في اليابس، والعامة تغرس الحوض في قبور موتاهم، وأراهم ذهبوا إلى هذا وليس لما تعاطوه من ذلك وجه ألبتة.
وقال ابن الملقن: وقد حصل ما ترجاه في الحال، فأورقا في ساعتهما ففرح بذلك، وقال: (رفع عنهما العذاب بشفاعتي) .
وفي هذا الحديث وفي وضعه الجريد على قبرهما دليل على أنهما لم يكونا كافرين، وأبعد من قال بذلك. وقال في (( الفتح ) ): واختلف في المقبورين، فقيل: كانا كافرين، وبه جزم أبو موسى المديني، واحتج بما رواه من حديث جابر بسنده إلى آخر ما في (( الفتح ) ).
وقال في (( المصابيح ) ): روى صاحب (الترهيب) من طريق الطبراني: أنهما هلكا في الجاهلية، وساق الحديث وقال: هو حسن، وإن كان إسناده ليس بالقوي؛ لأنهما لو كانا مسلمين لما كان لشفاعته لهما إلى أن تيبس الجريدتان معنى، ولكنه لما رآهما يعذبان لم يتركهما من لطفه، بل شفع لهما إلى المدة المذكورة. انتهى.
وقيل: المعنى فيه: أنهما يسبحان الله ما داما رطبين، فيحصل التخفيف ببركة التسبيح، وعلى هذا
فيطرد في كل ما فيه رطوبة من الأشجار، وغيرها، وكذلك في كل ما فيه بركة، كالذكر، وتلاوة القرآن من باب أولى.