ومنها: إن هذه الأحاديث ليست على شرط المصنف بل تكلم فيها، وتعقب كون حديث الحمد ليس على شرطه بأنه صححه ابن حبان وأبو عوانة لا يدفع الاعتذار عنه كما لا يخفى إلا أن يراد به أنه إذا صح الحديث ولو على غير شرطه، فلا ينبغي له ترك العمل به لا سيما وفيه مخالفة للمصنفين وللكتاب العزيز، فتدبر.
ومنها: لو سلمنا أنه على شرطه لا تتعين الكتابة والنطق معًا، فيجوز أن يكون نطق بذلك عند ابتداء التأليف، وهو كافٍ إذ ليس في الحديث ما يدل على أنه لا يكون إلا بالكتابة أيضًا.
ونقل هذا الجواب العيني من جملة أجوبة عن جمع، فقال: قالوا: الذي اقتضاه لفظ الحديث أن يحمد لا أن يكتبه، والظاهر أنه حمد بلسانه.
ثم رده بأنه يلزمهم عليه إضمار التسمية مع ما فيه من المخالفة لسائر المصنفين، انتهى.
وأقول: لا يخفى على المتأمل المنصف أن الجمع المجيبين لا يلزمهم إضمار التسمية؛ لأن معنى كلامهم أن الحديث يكفي في العمل به اللفظ، ولا يشترط معه الكتابة أيضًا لا أنها تضر ولو سلم؛ فلم يبالوا بمخالفته للمصنفين؛ لأن ظاهر الحديث معه على أنه لا مخالفة منه لهم بالنسبة لثبوت البسملة خطًا أيضًا في روايتي أبي ذر والأصيلي، فتأمل.
ومنها: أنه ابتداء بالحمد خطًا أيضًا لابتدائه بالبسملة على ما في روايتي أبي ذر والأصيلي، وهي متضمنة للحمد لذكره أسماء الله الجامع، ثم ذكره من أسماء الصفات الرحمن الرحيم، ولا يراد بالحمد إلا نحو هذا؛ لأنه الوصف بالجميل على جهة التعظيم لكن فيه بُعد، ويرد عليه أيضًا حديث: (كل أمر ذي بال لا يبدأ فيه بالحمد لله) فإنه يقتضي خصوص لفظه، فتأمل.
ومنها: أن المراد بالحمد الذكر بدليل إحدى روايتي الخطيب: (كل أمر لا يفتح بذكر الله فهو أبتر، أو أقطع) ولا ينافيه حديث: (بحمد الله) لأن معناه الافتتاح بما يدل على الثناء عليه تعالى، وهو حاصل بالبسملة على ما مرَّ.