فهرس الكتاب

الصفحة 926 من 1202

ويقابل قول هؤلاء قول من عارض هذا الحديث بقوله تعالى: {ولا تزر وازرة وزر أخرى} ، وممن روي عنه الإنكار مطلقًا أبو هريرة كما رواه أبو يعلى عن عبد الله بن الزبير قال: قال أبو هريرة: والله لئن انطلق رجل مجاهد في سبيل الله فاستشهد فعمدت امرأة سفهًا وجهلًا فبكت عليه ليعذبن هذا الشهيد بذنب هذه السفيهة.

وإلى هذا جنح جماعة من الشافعية، منهم: أبو حامد، ومنهم من أول قوله: (ببكاء أهله عليه) على أن الباء للحال؛ أي: أن مبدأ عذاب الميت يقع عند بكاء أهله عليه؛ ولأن شدة بكائهم إنما يقع غالبًا عند دفنه، وفي تلك الحالة يسأل ويبتدئ به عذاب القبر، فكأن معنى الحديث: أن الميت يعذب حالة بكاء أهله عليه، ولا يلزم منه أن بكاءهم سبب لتعذيبه، حكاه الخطابي وفيه تكلف ولعل قائله أخذه من قول عائشة كما في مسلم عنها: إنما قال رسول الله: (إنه ليعذب بمعصيته - أو بذنبه - وإن أهله ليبكون عليه الآن) ، ولهذا يكون خاصًا ببعض الموتى.

ومنهم من أوله على أن الراوي سمع بعض الحديث وأن اللام في الميت لمعهود معين، وهو المرأة اليهودية، كما جزم به الباقلاني وغيره.

ومنهم: من أوله على أن ذلك مختص بالكافر مطلقًا، وأن المؤمن لا يعذب بذنب غيره أصلًا وهو ظاهر من رواية ابن عباس عن عائشة، فالتأويلات عن عائشة متخالفة إذ لم ترد الحديث بحديث آخر بل بما فهمته من معارضة القرآن.

وقال القرطبي: إنكار عائشة ذلك بعيد؛ لأن الرواة لهذا المعنى من الصحابة كثيرون، وهم جازمون، فلا وجه للنفي مع إمكان حمله على محمل صحيح.

وقد جمع كثير من أهل العلم بين حديثي عمر وعائشة بضروب من الجمع:

أولها: طريقة البخاري كما تقدم.

ثانيها - وهو أخص - محمول على ما إذا أوصى أهله بذلك، وبه قال المزني وإبراهيم الحربي وآخرون من الشافعية

وغيرهم، معنى قال أبو الليث السمرقندي: إنه قول عامة أهل العلم، وكذا نقله النووي عن الجمهور، وكان معروفًا للقدماء حتى قال طرفة بن العبد:

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت