فهرس الكتاب

الصفحة 925 من 1202

وذهبت عائشة: إلى أن أحدًا لا يعذب بفعل غيره، وهو أمر مجمع عليه لقوله تعالى: {ولا تزرُ وازرة وزر أخرى} [الأنعام:164] {ولا تكسب كل نفس إلا عليها} [الأنعام:164] وكل حديث أتى فيه النهي عن البكاء فمعناه: النياحة عند العلماء؛ لأن الله تعالى {أضحك وأبكى} [النجم:43] ، ولقوله عليه السلام: (تدمع العين ويحزن القلب ولا نقول ما يسخط الرب) ، وقال عليه السلام إذ نهى عمر النساء عن البكاء: (دعهن يا عمر فإن النفس مصابة والعين دامعة والعهد قريب) ، ونهى عن النياحة ولعن النائحة والمستمعة، ونهى عن شق الجيوب، ولطم الخدود، ودعوى الجاهلية.

وما ذهبت إليه عائشة أشبه بدلائل الكتاب، وما زيد في عذاب الكافر باستيجابه لا بذنب غيره؛ لأنه إذا بكى عليه تذكر فتكاته وغاراته، فهو مستحق للعذاب، وأهله يعدون ذلك من فضائله، وهو يعذب من أجلها فإنما يعذب بفعله لا ببكاء أهله، هذا معنى قول عائشة: إن الله ليزيد الكافر عذابًا ببكاء أهله، وهو موافق لقوله تعالى: {ولا تزر وازرة وزر أخرى} [الزمر:7] .

وتصويب الشافعي لقول عائشة وإنكارها على ابن عمر يشبه أن يكون مذهب مالك لدلالة ما في (موطأته) عليه؛ لأنه ذكر حديث عائشة ولم يذكر خلافه عن أحد. انتهى مفرقًا.

وقال في (( الفتح ) ): قد اختلف العلماء في مسألة تعذيب الميت بالبكاء عليه فمنهم من حمله على ظاهره، وهو بين من قصة عمر مع صهيب، ويحتمل أن عمر كان يرى أن المؤاخذة تقع على الميت إذا كان قادرًا على النهي، ولم يقع منه، فلذلك بادر إلى نهي صهيب، وكذلك نهى حفصة كما في مسلم، ولفظه: عن ابن عمر: أن حفصة بكت على عمر فقال: فهلًا يا بنية، ألم تعلمي أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: (إن الميت يعذب ببكاء أهله عليه) ؟

وممن أخذ بظاهره أيضًا عبد الله بن عمر، فروى عبد الرزاق من طريقه: أنه شهد جنازة رافع بن خديج فقال لأهله: إن رافعًا شيخ كبير لا طاقة له بالعذاب وإن الميت يعذب ببكاء أهله عليه.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت