وقال غيره سميت أم الكتاب لأن أم الشيء ابتداؤه وأصله ومنه سميت مكة أم القرى لأن الأرض دحيت مَن تحتها واعترض هذا التعليل السفاقسي بأنه إنما يناسب فاتحة الكتاب لا أم الكتاب وأجاب شيخ الإسلام بأنه يناسبه أيضًا لأن المعنى أن الفاتحة مبدأ ما ذكر كما أن الأم مبدأ الولد قال وعلل أيضًا بأن الفاتحة تؤم غيرها كالرجل يؤم غيره فيتقدم عليه وقال في الفتح والجواب أنه يتجه ما قال بالنظر إلى أن الأم مبدأ الولد قال: وأما تسميتها بأم القرآن فلاشتمالها على المعاني التي في القرآن أي مما تقدم بعضه عن علي وغيره ومنه ما قاله بعض المحققين إنها تشتمل على كليات المعاني التي فيه من الثناء على الله تعالى من ذكر الذات والصفات والأفعال وهو ظاهر ومن التعبد بالأمر والنهي وهو في {إياك نعبد وإياك نستعين} لأن العبادة قيام العبد بما تُعبِّد به وكلفه من امتثال الأوامر واجتناب النواهي وفي {اهدنا الصراط المستقيم} من الوعد والوعيد فمضمونها مشتمل على المعاني الثلاثة بالترتيب على وجه إجمالي لأن أولها ثناء على الله تعالى وأوسطها تعبد وآخرها وعد ووعيد والثلاثة أصول مقاصد القرآن لأن الغرض الأصلي الإرشاد إلى المعارف الإلهية وما به نظام المعاش ونجاة المعاد ثم يصير ذلك مفصلًا في سائر السور فلذلك كانت أم الكتاب وأم القرآن وأما ما روي عن الحسن وابن سيرين وبقي بن مخلد من كراهة تسميتها بأم الكتاب لأن أم الكتاب هو اللوح المحفوظ فقد أجيب عنه بأنه ثبت في حديث رواه الترمذي عن أبي هريرة أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: الحمد لله أم القرآن وأم الكتاب وإذا ثبت النص انتفى الإشكال وقال: في (( الفتح ) )وسيأتي في حديث الباب تسميتها بذلك وسيأتي أيضًا في تفسير سورة الحجر حديث أبي هريرة مرفوعًا بلفظ أم القرآن هي السبع المثاني قال: ولا فرق بين تسميتها بأم القرآن وأم الكتاب قال: ولعل الذي كره ذلك وقف عند الأم وإذا ثبت النص طاح ما دونه. انتهى. فتأمله.