وهناك موضعان ينكشف فيهما النفاق ، ويبدو وجهه الدميم: الأول كراهية الحكم بما أنزل الله ، والآخر كراهية الدفاع عن الحق والقتال فِي سبيل الله!! والمنافقون عموما يضيقون بأنواع الطاعات من صلاة وصدقة ، وربما استطاعوا الاستخفاء بهذا الضيق ، أو كابروا فيه ، لكنهم أمام الحكم بما أنزل الله والجهاد فِي سبيله تنكشف بواطنهم ويفتضحون! والرسل تجيء من عند الله بمناهج كاملة للحياة الرشيدة ، وأتباع الرسول - انطلاقا من الإيمان والسمع والطاعة - ينفذون ويستقيمون على الطريق ، وليس أمامهم إلا هذا المسلك ، ولذلك قال تعالى:"فلا وربك لا يؤمنون حتى يحكموك فيما شجر بينهم ثم لا يجدوا في أنفسهم حرجا مما قضيت ويسلموا تسليما". وليس فِي تعاليم الدين ما يحرج النفوس ، ولكن العجزة وذوى العزائم الخائرة يستثقلون الجهاد وصنوف الطاعات ، وكان خيرا لهم لو نشطوا وصدقوا ومضت سورة النساء تشرح خلائق المنافقين فِي سياق مطرد ، وإن شاب هذا الشرح وصف لطائفة أخرى يكثر وجودها فِي المجتمعات ، وتحتاج إلى معالجة متأنية حكيمة ، هذه هي طائفة ضعفاء الإيمان!! والصلة موجودة بين المرضى والموتى ، بين إيمان مفقود ، وإيمان معتل يمكن أن يضيع. إذا لم تتم مداواته. ولهذا الإيمان المريض صور.. فالصورة الأولى تتضح معالمها فِي قوله تعالى:"وإن منكم لمن ليبطئن فإن أصابتكم مصيبة قال قد أنعم الله علي إذ لم أكن معهم شهيدا * ولئن أصابكم فضل من الله ليقولن كأن لم تكن بينكم وبينه مودة يا ليتني كنت معهم فأفوز فوزا عظيما". هذا رجل تحركه مآربه ، وتقترن آماله بمصالحه الخاصة لا بمسيرة الدين ومستقبله.. إن قلبه مشوب يتأرجح بين الإخلاص والأثرة..!! ومثله رجل آخر يصلى ويصوم ويترك المعاصى.. حتى إذا بلغته فريضة الجهاد جرع واضطرب ، وطلب مهلة"ألم تر إلى الذين قيل لهم كفوا أيديكم وأقيموا الصلاة وآتوا الزكاة فلما كتب عليهم القتال إذا فريق منهم يخشون الناس كخشية الله أو أشد خشية".