ولهذا ذهب داودُ وطائفةٌ إلى أنها لا ترثُ مع البنتِ شيئاً، وهو قولُ ابنِ عَبّاسٍ - رضي الله تعالى عنهما - .
ولكن العمومَ لا تقومُ دلالتُه إلا إذا لمْ يعارضْهُ ما هو أقوى منه.
وهذا العمومُ والإطلاقُ قد عارضَهُ ما روى ابنُ مسعودٍ - رضي الله تعالى عنه -: أن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال في ابنةٍ وابنةِ ابنٍ وأختٍ: للبنتِ النصفُ، ولابنةِ الابنِ السُّدُسُ تكملة الثلثين، وما بقيَ فللأخت.
فذهب الجمهورُ إلى هذا النص، وخَصُّوا به العمومَ، ودلَّهم على أن المرادَ بالولدِ الذكرُ، لا عمومُ الذكرِ والأنثى، فالخلافُ آيِلٌ إلى أن الوراثةَ مع البنتِ هل هيَ كَلاَلة أو لا؟
فعند الجمهورِ كلالة.
وعندَ ابنِ عباسٍ وداودَ ليسَ بكلالةٍ، وكانَ ابنُ الزبير يقولُ في هذه المسألةِ بقولِ ابنِ عباسٍ حتى أخبرَهُ الأسودُ بنُ زيدٍ أنَّ معاذاً قَضى في بنتٍ وأختٍ، فجعل المالَ بينهنَ نصفين.
فإن قلت: فالكلالةُ هل المرادُ بها الوارثُ أو الميت؟
قلت: أما في اللغةِ؛ فإنَّها تقعُ على الوارثِ، قال ابنُ الأعرابيِّ: الكلالةُ هم بنو العَمِّ الأباعدُ، قال الفرزدق: [البحر الطويل]
وَرِثْتُمْ قَناةَ المَجْدِ لا عَنْ كَلالَة ... عَنِ ابْنَي مَناتٍ عَبْدِ شَمْسٍ وهاشِمِ
ومنه قولُ جابر - رضي الله تعالى عنه -: وإنما يرثنُي كلالَةٌ، وحكيَ عن أعرابى أنه قال: مالي كثيرٌ، ويرثنُي كلالةٌ مُتَراخٍ نَسَبُه.
وقد يقعُ على الميتِ، يقال منه: كَلَّ الرجُلُ يَكَلَّ كَلاَلةً، وهي مأخوذَةٌ من التكلُّلِ، وهو الإحاطةُ بالميتِ، فإذا ذهب أبوه وولدُه، فالعَصَبَةُ محيطون به، متكللون نَسَبَهُ، ومنه سُمِّيَ الإكليل.
وأما المرادُ بها في القرآن، فالمراد بها هنا - والله أعلم - الوارثُ.
لما رويناه في"صحيح مسلم"من حديثِ جابرٍ، فإنه إنَّما سألَ عنِ الوارثِ منَ الكَلالة، فأنزل الله سبحانه الآيةَ بياناً لسؤالِه، واستوفى حُكْمَ الكلالَةِ منَ الذكورِ والإناثِ.
وهذه الكلالَةُ هي التي عَظُمَ على الصَّحابةِ أمرُها.
لأن منهم منْ يورثُ الكَلالَةَ معَ الجَد؛ لأن اللهَ سبحانه قال في توريثها: {قُلِ اللَّهُ يُفْتِيكُمْ فِي الْكَلَالَةِ إِنِ امْرُؤٌ هَلَكَ لَيْسَ لَهُ وَلَدٌ وَلَهُ أُخْتٌ فَلَهَا نِصْفُ مَا تَرَكَ} [النساء: 176] ، ولم يشترط عدمَ الوالِد والجَدّ صريحًا.
فأما الوالدُ فاشتراطُه واجبٌ بالإجماع، وبقيَ الجَد على عدِم الاشتراط.