وقيل: في سنة خَمْسٍ؛ كما قالهُ ابنُ إسحاقَ.
وأما أول ما شُرعتْ صلاةُ الخوفِ، فإن ذلك كان بِعُسْفانَ، لا بِذاتَ الرِّقاعِ، كما سيأتي في روايةِ أبي عياشٍ الزُّرقِيِّ - رضي الله تعالى عنه - .
* وقد صلاَّها النبيُّ - صلى الله عليه وسلم - بصفاتٍ مختلفةٍ بحسبِ اختلافِ المَواطنِ والأحوالِ، يبلغُ مجَموعها ستةَ عَشَرَ وَجْهاً، وسنبين مُعْظَمَها بذكرِ أربع صفات:
الصفة الأولى: صلاةُ النبيِّ - صلى الله عليه وسلم - بعُسْفانَ.
قال أبو عياشٍ الزرقيُّ - رضي الله تعالى عنه - كنا معَ رسولِ الله - صلى الله عليه وسلم - بعسفانَ، وعلى المشركين خالدُ بنُ الوليد، فصلينا الظهرَ، فقال
المشركونَ: لقد أَصَبْنا غفلة، لو كُنَا حَمَلْنا عليهمْ وهم في الصلاة، فنزلتْ آيةُ القَصْرِ بين الظهرِ والعصرِ، فلما حضرتِ صلاة العصر، قام رسولُ الله - صلى الله عليه وسلم - مستقبلَ القبلةِ، والمشركون أمَامهُ، فصفَّ خلفَ رسولِ الله - صلى الله عليه وسلم - صَفٌ واحدٌ، وصفَ بعدَ ذلك صَفٌّ آخرُ، فركعَ رسولُ الله - صلى الله عليه وسلم - , وركعوا جميعًا، ثم سجدَ الصفُّ الذي يليه، وقام الآخَرُ يحرس لهم، فلما صَلَّى هؤلاء السجدتين، وقاموا، سجدَ الآخرونَ الذين كانوا خلفَه، ثم تأخرَ الصفُّ الذي يليهِ إلى مَقامِ الآخرينَ، وتقدم الصفُّ الآخرُ إلى مَقام الصفَّ الأولِ، ثم ركعَ رسولُ الله - صلى الله عليه وسلم - ، وركعوا جميعاً، ثم سجدَ وسجَد الصفُّ الذي يليه، وقام الآخرونَ يحرسونهم، فلما جلسَ رسولُ الله - صلى الله عليه وسلم - والصفُّ الذي يليهِ، سجدَ الآخرون، ثم جلسوا جميعًا، ثم سلم بهم جميعاً.
وخرجه مسلم عن جابر بنِ عبد الله - رضي الله تعالى عنهما - .
وروى ابنُ عباس - رضي الله تعالى عنهما - نحوَ حديثِ جابرٍ وأبي عياشٍ، إلا أنه ليس في روايته تقدُّمُ الصف الثاني، وتأخرُ الصفِّ الأول.
والعملُ بظاهره جائز عند الشافعية.
وهل الأفضلُ التقدُّمُ والتأخُّرُ كما وردَ في روايةِ جابرٍ وأبي عياشٍ، أو بقاء الصفينِ على حالِهما كما هو ظاهرُ رواية أبي عياش؟.
فيه وجهانِ عند الشافعية.
وينبغي أن يقطع بفضيلة التقدم والتأخر.
ويحملُ إطلاقُ ابنِ عباسٍ على تقييدِ غيرهِ، وإن كانتْ أكثرَ أفعالاً؛ ففي كثرةِ الأفعالِ حكمةٌ حسنةٌ، وهو قطعُ طمعِ العدوِّ.