قال الشافعيّ: وإنما عَمِلَتْ بما رَوَتْ عن النبي - صلى الله عليه وسلم - ، ولم تعملْه تأوُّلاً كما قالَهُ عُروةُ.
3 -وذهب قومٌ إلى أن القصرَ سُنَّةٌ ليسَ بِرخْصةٍ، ولا حتماً.
وهو المشهورُ عن مالكٍ، والمشهورُ عندَ الشافعية؛ لما فيه منَ الجَمْع بين الأدلةِ، والاقتداءِ برسولِ الله - صلى الله عليه وسلم - .
4 -وذهبتِ البغداديةُ المالكية إلى أن القصرَ والإتمامَ فَرضان، فأيَّهما فَعل، فقد فَعَلَ الواجبَ؛ كالواجبِ المُخَيَّر.
ونقله بعضُ المصنفين عن بعضِ الشافعيةِ، وهذا القولُ غيرُ معروفٍ عندهم، وإن كان القولُ به غير ممتنع.
* وعلق اللهُ سبحانه القصرَ على الضربِ في الأرض، وذلك مطلقٌ غيرُ مقيدٍ.
1 -فأخذَ بإطلاقه آخرون، وهم أهلُ الظاهر، فجوزوا القصرَ، في كلَّ سفرٍ، طويلاً أو قصيراً.
2 -وقيده الجمهورُ من أهل العلمِ بالمعنى الذي أُبيحَ له القصرُ، وهو المشقةُ الزائدَةُ على مشقةِ الحَضَر.
ثم اختلفوا.
-فذهبَ ابنُ مسعودٍ، وعثمانُ، وغيرُهما - رضي الله تعالى عنهم - إلى أن المسافةَ المُبيحةَ للقَصْر هي ثلاثةُ أيام، وبه قال أبو حنيفةَ وأصحابهُ.
-وذهبَ ابنُ عمرَ، وابنُ عباسٍ - رضي الله تعالى عنهم - إلى أنها أربعةُ بُرُدٍ، وذلك يومانِ.
وبه قالَ مالكٌ، والشافعيُّ، وأحمدُ، وجَمْعٌ كثير، ولأن المشقةَ المعتبرةَ توجد في ذلك غالباً.
ومذهبُ أهلِ الظاهر قويٌّ.
لَما رواهُ مسلمٌ عن عُمر - رضي الله تعالى عنه -: أن النبيَّ - صلى الله عليه وسلم - كان يقصُرُ في السَّبْعَةَ عَشَرَ ميلاً.
* إذا تقرَّرَ هذا، فقد رُوي عن النبَّي - صلى الله عليه وسلم - أحاديثُ صحيحةٌ أنه جمعَ بينَ الظُّهر والعَصْرِ، والمغربِ والعِشاء في السفر.
* فأجمعَ أهلُ العلم على جوازِ الجَمْع بينَ الظهر والعصر بعرفةَ، وبينَ المغربِ والعِشاء بمُزْدَلِفَةَ.
واختلفوا في غيرِهما من الأمكنة.
فجوزه الجمهورُ، ومنعه أبو حنيفةَ وأصحابُه.
لأن الأفعالَ يتطرقُ إليها من الاحتمالِ ما لا يتطرقُ إلى الأقوالِ.
واحتجوا بأنَّ ابنَ مَسعودٍ - رضي الله تعالى عنه - قال: والذي لا إله غيره! ما صلَّى رسولُ الله - صلى الله عليه وسلم - صلاةً قَطُّ إلا في وقتِهما، إلا صلاتين: جمعَ بين الظهرِ والعصرِ يومَ عرفةَ، وبين المغربِ والعشاءِ بِجَمْعٍ.