وقصرَ، وبإتمامِ عثمانَ وعائشةَ - رضي الله تعالى عنهما - ، وبما ثبتَ أنَّ الصحابةَ - رضي الله تعالى عنهم - كانوا يسافرونَ مع رسولِ الله - صلى الله عليه وسلم - ، فمنهم القاصرُ، ومنهمُ المُتِمُّ، ومنهمُ الصائِمُ، ومنهُمُ المُفْطِرُ، لا يَعيبُ بعضُهم على بعض.
2 -وذهبَ أبو حنيفةَ وأصحابهُ إلى أنهُ عزيمةٌ.
واستدلّوا بما رواهُ الزهريُّ عن عُروةَ عن عائشةَ - رضي الله تعالى عنها - قالت: أَوَّلَ ما فُرِضَتِ الصَلاُة رَكْعَتينِ رَكْعَتين، فزيدَ في صلاةِ الحَضَرِ، وأُقِرَّتْ صلاةُ السفر.
وبما روى عِمرانُ بنُ الحُصَينِ - رضي الله تعالى عنه - قال: حَجَجْتُ مع رسولِ الله - صلى الله عليه وسلم - ، فكان يصلَّي رَكْعتين، وسافرتُ مع أبي بكرٍ - رضي الله تعالى عنه - ، فكانَ يصلَّي ركعتين حتى ذهب، وسافرتُ مع عُمَر - رضي الله تعالى عنه - ، فكان يصلَّي رَكعتين حتى ذهب، وسافرتُ مع عثمانَ - رضي الله تعالى عنه - ، فكان يصلِّي رَكعتين ستَّ سنين، ثم أتمَّ بنا.
وأجابوا عن إتمامِ عُثمان، بأن ابنَ مسعودٍ عابَهُ على عثمانَ.
وعن إتمامِ عائشةَ، بأنَّ الزهريَّ قال لعروةَ لمّا روى له الحديثَ السابق: وما شأنُ عائشةَ كانت تُتِمُّ؟ قال: إنها تأولت ما تأولَ عثمان.
وما استدلَّ به الكوفيون، فلا حجةَ فيه: أما حديثُ عمرانَ، فليس فيه أكثرُ من فعلِ النبيِّ - صلى الله عليه وسلم - ، فإن كانَ بياناً للقرآنِ، وهو الظاهرُ، فهو بيانٌ لما ظهرَ فيه قصدُ الإباحةِ والرخصةِ، فإن كانَ ابتداءَ حُكمٍ، وهو خلافُ الظاهرِ، فالفعلُ بمجربٍ لا يدلُّ على الوجوب.
وأما عَتْبُ ابنِ مسعودٍ - رضي الله تعالى عنه - ، ففيه الحجَّةُ عليهم؛ لأنه قامَ وصَلَّى بأصحابه في منزله، وأتمَّ، فقيل له: عِبْتَ الإتمامَ وأَتْمَمْتَ! فقال: الخلافُ شَرٌّ، فلو كانَ القصرُ حَتْماً، لَما أتَمَّ، ولعلَّهُ إنَّما عابَ على عُثمانَ تركَ الأخذِ بالرُّخْصَةِ.
وأما حديثُ عائشةَ، فلا دلالةَ لهم أيضاً من وجهين:
أحدهما: أنها عملتْ بخِلافِ ما رَوَتْ، وعملُ الصَّحابيّ مقدَّم على روايتهِ عندهم.
الثاني: أنها رَوَتْ - أيضاً - أنَّ النبيَّ - صلى الله عليه وسلم - قَصَرَ وأَتَمَّ، فدلَّ على أن المرادَ بقولها: وأُقرَّتْ صلاةُ السفرِ لمن شاءَ القصرَ؛ بدليلِ روايتها الأخرى، ولأنه ما اجتمعَ فيه روايتُها وعملُها، كان أقوى مما اختلف فيه عملها وروايتُها.