فقالَ بعضُهم: الموتُ بمكةَ والمُقام بها يُحْبطُ الهجرةَ، سواءٌ كانَ بالضرورةِ، أو بالاختيار، واستدلَّ بدعاءِ النبيِّ - صلى الله عليه وسلم - لسعدِ بنِ أبي وقَّاصٍ مع أصحابه، ولأنَّ سعدَ بنَ خولَةَ الذي رَثىَ له النبيِّ - صلى الله عليه وسلم - ماتَ في حجَّةِ الوداعِ بعدَما شهدَ بدراً وغيَرها، على ما ذكره ابنُ شهاب.
وقال بعضُهم: إنما يحبطُ الهجرةَ ما كانَ بالاختيارِ، وأما بالضرورةِ، فلا؛ لأن سعدَ بنَ خولةَ لم يهاجرْ من مكةَ حتى ماتَ بها؛ كما قال عيسى بنُ دينار وغيُره، أو ماتَ بمكةَ بعدَما هاجرَ وشهِدَ بدراً، وانصرفَ إلى مكة؛ كما قالهُ البخاري.
* فإن قال قائل: فما حكمُ الهجرةِ في زمنِ النبيِّ - صلى الله عليه وسلم - وبعده؛ قلنا: أما في زمنه، فأجمعت الأمةُ على وجوبِ الهجرة من مكةَ إلى المدينِة - شَرَّفها اللهُ - حتى قال الواحديُّ والبَغَوِيُّ: إنها شرطٌ في الإسلام؛ كما قدمتُه عنهم.
* واختلفوا فيما عدا مكة.
فقال أبو عبيدٍ: لا تجبُ عليه الهجرةُ؛ لأن النبي - صلى الله عليه وسلم - لم يأمرْ من أسلمَ من العربِ بالمهاجرة إليه، ولم ينكرْ عليهم مُقامَهُمْ ببلدِهم، ولأنه - صلى الله عليه وسلم - كان إذا بعثَ سريَّةً، قال لأميرها:"إذا لقيتَ عَدُوَّكَ منَ المُشْركينَ، فادْعُهُم إلى ثَلاثِ خِصالٍ - أو ثلاثِ خلالٍ - فَأيَّتَهُنَّ أَجابوكَ، فاقبلْ منهم، وكُفَّ عنهمُ: ادعُهم إلى الإسلامِ، فإن أجابوا، فاقبلْ منهم، وكُفَّ عنهُم، ثم ادعُهُمْ إلى التحوُّلِ عن دارِهم إلى دارِ المهاجرين، وأَعْلِمْهم أنَّهم إن فَعلوا ذلك، أنَّ لهم ما لِلمْهاجرين، وأن عليهم ما عَلى المُهاجرين، فإن أَبْوا واخْتاروا ديارَهم، فأَعْلِمْهم أنهم يكونونَ كأعرابِ المُسلمين، يَجْري عليهم حُكْمُ اللهِ الذي يَجْري على المؤمنين، ولا يكونُ لهم في الفَيْءِ والغنيمةِ نصيبٌ إلا أن يُجاهِدوا مع المسلمين".
وقال الجمهورُ: تجبُ الهجرةُ من سائرِ بلادِ الحَرْبِ إلى سائر بلادِ الإسلام على مَنْ لا يقدرُ على إظهارِ دينهِ، ولا تجبُ على من يَقْدِرُ على إظهارِ دينه، إما بعشيرةٍ أو رئاسة؛ كما جازَ ذلك للعباس - رضي الله تعالى عنه - ، لكن تُستحبُّ له المهاجرةُ.
* وكذا الحكمُ في الهجرة في زمننا تجبُ عليهِ إن كانَ لا يتمكنُ من إظهارِ دينه، ويُستحبُّ إن كان يتمكنُ من إظهار دينه.