* والبدعة تجري مَجْرى الكُفْر في وجُوبِ الهِجْرةِ أو استحبابِها.
* وأما سائرُ المعاصي، فتستحبُّ، ولا تجبُ الهجرةُ لأجلِها، إلا أن يغلبَ عليها الحرامُ، فإن طلبَ الحلالِ فرضٌ.
* ثم استثنى الله القومَ الذين يَصِلون إلى أهلِ العهدِ والميثاق، فقال: {إِلَّا الَّذِينَ يَصِلُونَ إِلَى قَوْمٍ بَيْنَكُمْ وَبَيْنَهُمْ مِيثَاقٌ أَوْ جَاءُوكُمْ حَصِرَتْ صُدُورُهُمْ أَنْ يُقَاتِلُوكُمْ أَوْ يُقَاتِلُوا قَوْمَهُمْ} [النساء: 90] .
والذين بينهم وبينَ النبيِّ - صلى الله عليه وسلم - ميثاقٌ همُ الأَسْلَمِيُّون، وذلكَ أن النبيِّ - صلى الله عليه وسلم - وادع هلالَ بنَ عُوَيْمِرٍ الأَسْلَمِيَّ قبلَ خرُوجِه إلى مكةَ على ألاَّ يُعينَه ولا يُعينَ عليه، ومن وَصَلَ إلى هِلالٍ من قومِه وغيرِهم، ولجأ إليهم، فلهمْ من الجِوارِ مثلُ ما لِهلالٍ.
وقال الضحاك عن ابن عباس: أرادَ بالقومِ الذين بينكم وبينهم ميثاق:
بني بكر بن زيدِ مناةَ، كانوا في الصلحِ والهُدْنة.
وقال مقاتل: هم خُزاعَةُ.
وأما الذيَن جاؤوه - صلى الله عليه وسلم - ضَيِّقةً صدورهم من قتاله ومن قتال المشركين، فهم بنو مُدْلِجٍ.
ومعنى (يَصِلون) : يَنْتَمون وينتسبون، قال الأعشى: [البحر الطويل]
إذا اتصلتْ قالتْ لبكرِ بنِ وائلٍ ... وبكرٌ سَبَتْها والأنوفُ رَواغِمُ
* والاستثناء مختصٌّ بالقتلِ دون المُوالاة؛ فإن موالاةَ الكافرِ لا تجوزُ بحالٍ، سواءٌ كان حربياً أو معاهداً أو منافقاً، قال الله تعالى: {لَا يَتَّخِذِ الْمُؤْمِنُونَ الْكَافِرِينَ أَوْلِيَاءَ مِنْ دُونِ الْمُؤْمِنِينَ} [آل عمران: 28] ، الآية، وإنما استثناهم اللهُ سبحانه لأجلِ الوفاءِ بالعهدِ والميثاق؛ كما أمر به في كتابه العزيز.
* فإن قال قائل: فظاهرُ حكمِ الآية أن المرتدَّ إذا لجأ إلى أهلِ عهدٍ لا يُتعرَّض له، سواءٌ شُرِطَ ذلكَ في عَقْدِ الهُدْنَةِ أم لا؟ قلنا: قال أبو الحسنِ الواحديُّ والبغويُّ من الشافعية في"تفسيريهما": نهى الله سبحانه عن قتلِ هؤلاء المرتدِّين إذا اتَّصلوا بأهلِ عهد المسلمين؛ لأن من انضمَّ إلى قومٍ ذوي عهدٍ، فلهُ حكمُهم في حَقْنِ الدم.
والمشهورُ من مذهبِ الشافعيِّ؛ حكايةُ قولين في جوازِ شرطهم تركَ من جاءهم من المسلمين مرتدًّا، والصحيحُ الجوازُ، وأما إذا لم يشترطوا، فيجب عليهم التمكينُ من رَدِّةِ لإقامة الحدِّ عليه.