قلنا: تحيتُهم غيرُ داخلةٍ في عُموم الآية؛ لأنها ليستْ بتحيةٍ ولا سلامٍ، قال رسولُ الله - صلى الله عليه وسلم -:"إنَّ اليهودَ إذا سَلَّمَ عليكُم أَحَدُهُم فإنَّما يقولُ: السامُ"
عليكُمْ، فقلْ: عَلَيْكَ"والرُّد عليهم ليسَ بردٍّ للتحيَّةِ، وإنما هو دعاءٌ عليهم مكافأةً لدُعائِهم علينا."
قالت عائشةُ - رضي الله تعالى عنها - إن اليهودَ أَتَوُا النبيَّ - صلى الله عليه وسلم - ، فقالوا: السَّامُ عليكَ، قال: وعليكُم، فقالت عائشةُ: السَّامُ عليكُمْ، ولعنَكُمُ اللهُ، وغَضِبَ الله عليكَم، فقال رسولُ الله - صلى الله عليه وسلم -:"مَهْلاً يا عائشةُ! عَلَيْكِ بالرِّفْقِ، وإياكِ والعُنْفَ والفُحْشَ"قالت: أَوَ لَمْ تسمع ما قالوا؟ قال:"أَوَ لَمْ تَسْمَعي ما قُلْتُ؟ رَدَدْتُ عليِهْم، يسُتجابُ لَي فيهم، ولا يُستجابُ لَهُمْ فيَّ".
وقد تنبه عطاء لفقهِ الآيةِ فقال: الآيةُ للمؤمنينَ خاصَّةً، ومَنْ سَلَّمَ مَن غيرِهم، قيل له: عليكَ؛ كما جاءَ في الحديث، وهذا يدلُّ على أنَّ قولَ ابنِ عبّاسٍ وغيرِه: إنَّما أُمِرْنا بالردِّ على الكافرِ أدباً لا وجوباً؟!
وبهذا قال مالكٌ - رحمه الله - ، فحينئذ يرتفعُ الخِلافُ.
وكيف يجُب الردُّ عليهم، واللهُ يقولُ في أمثِالهم: {وَإِذَا جَاءُوكَ حَيَّوْكَ بِمَا لَمْ يُحَيِّكَ بِهِ اللَّهُ} [المجادلة: 8] .
ومعلومٌ أنَّ الشافعيَّ ما أرادَ إلا ما أرادَهُ ابنُ عباسٍ، لا حقيقةَ الوجوبِ كما توهَّمَهُ بعض أصحابه.
وصفةُ الردِّ عليهم ما قَدَّمنا من قوله - صلى الله عليه وسلم -:"وعليكم"أو:"عليكم".
وأما على المُسْلِم، فالأفضلُ أن يقولَ: (وعليكُم السلامُ ورحمةُ الله وبركاتُه) ، وهذا هو الأحسنُ الذيَ ندب اللهُ إليهِ المؤمنين.
ولو اقتصرَ على قولِ: (وعليكم السلامُ) ، فهذا هو الواجُب؛ لأنه مثلُ تحيةِ المُسَلِّمِ، ولو اقتصرَ على قوله: وعليكم، فالصحيحُ عندَ الشافعيةِ واختيار إمامِ الحرمين أنه لا يكفي؛ لأنه ليسَ مثلَ سلامِهِ في اللفظِ والإيناسِ.
والصوابُ أنه يكفي؛ لِما ثبتَ في"صحيح مسلم"من اقتصاره في ردِّه - صلى الله عليه وسلم - على أبي ذَرٍّ في حديثِ إسلامِه.
وعلى قياسِ هذا ما إذا قالَ المُسَلِّمُ: (السلامُ عليكُم ورحمةُ اللهِ وبركاتُه) ، فقال الرادُّ: (وعليكم) ، وينبغي أن يكونَ مَكْروهاً؛ لقلة إيناسِه، والله أعلم.