ومقتضى عمومِ الآية أنَّ الكِتابيَّ إذا قال: (السلامُ عليكم) أَنَّهُ يجبُ الردُّ عليهِ؛ لأنه حيّانا بتحية اللهِ، ولستُ أعلمُ فيه نَقْلاً عنِ السَّلَفِ.
وأما الغائبُ، فكذلك أيضاً يجبُ ردُّ السلامِ عليه، أَرْسَلَ بهِ، أو كَتَبَ به.
وصِفَتُهُ الأَحْسَنُ ما رويناه في"سُنَنِ أبي داودَ"عن غالبٍ القَطَّانِ عن رجلٍ قال: حدثني أبي عن جَدِّي قال: بعثَني أبي إلى رسولِ الله - صلى الله عليه وسلم - ، فقال: ائتهِ فَأَقْرِئْهُ السلامَ، فأتيتُه، فقلتُ: إنَّ أبي يُقْرِئُكَ السَّلامَ، فقال:"عليكَ وعلى أبيكَ السلامُ".
وأما المفارقُ فقد قالِ القاضي الحسينُ وصاحبُه المُتَولي من الشافعية: جرتْ عادَةُ بعضِ الناسِ بالسلامِ عندَ مفارقَةِ القومِ، وذلكَ دعُاءٌ يستحَبُّ جوابه، ولا يجبُ؛ لأنَّ التحيةَ إنما تكونُ عندَ اللقاء، لا عندَ الانصراف.
وأنكر عليهما الإمامُ أبو بكرٍ الشَّاشِيُّ، وقال: هذا فاسِدٌ؛ لأن السلامَ سُنَّةٌ عندَ الانصرافِ، كما هو سُنَّةٌ عندَ الجلوس.
قال أبو زكريا النوويُّ: وما قالهُ الشاشِيُّ هو الصوابُ.
وهو الحقُّ كما قالَهُ الشاشِيُّ والنواويُّ، قال النبيُّ - صلى الله عليه وسلم -:"إذا انتهى أحدُكم إلى مَجْلِسٍ، فَلْيُسَلِّمْ، فإذا أرادَ أن يقومَ، فَلْيُسَلِّمْ، فَلَيَستِ الأُولى بأَحَقَّ منَ الآخِرَة"قال الترمذيُّ: حديثٌ حسنٌ.
فأمرَنا بالسلامِ، وبينَ بأنَّ الأولى لَيْسَتْ بآكَدَ من الثانية، والله يقول: {وَإِذَا حُيِّيتُمْ بِتَحِيَّةٍ فَحَيُّوا بِأَحْسَنَ مِنْهَا أَوْ رُدُّوهَا} [النساء: 86] .
(من أحكام الجهاد)