ولكنه يُضَعِّفُ هذا الترجيحَ ويقوِّي تأويلَها بنكاحِ المُتعة قولُه تعالى: {وَلَا جُنَاحَ عَلَيْكُمْ فِيمَا تَرَاضَيْتُمْ بِهِ مِنْ بَعْدِ الْفَرِيضَةِ} [النساء: 24] .
فإن قيل: معنى {وَلَا جُنَاحَ عَلَيْكُمْ فِيمَا تَرَاضَيْتُمْ بِهِ مِنْ بَعْدِ الْفَرِيضَةِ} [النساء: 24، أي: لا إثمَ عليكم في أن تهبَ المرأةُ للزوجِ مهرَها، أو يهبَ
الرجلُ للمرأةِ تمامَ المَهْرِ إذا طلقها قبل الدخول.
قلنا: رفعُ الجُناحِ لا يُستعمل في اللِّسانِ في أداء الفريضة، ولا في فعل البِرِّ، وإنما يَرِدُ فيما له أصلٌ في المنع.
فإن قيل: قراءةُ الصحابيِّ بطريق الآحاد لا تثبتُ قرآنًا، ولا تبلغ بيانَ السنةِ عندَ المحققين من أهل الاستدلال.
قلنا: ينبغي أن يكون هذا بمنزلة التفسير، وتفسيرُ الصحابيِّ أولى من
تفسير غيره، على الصحيحِ عندهم في تفسير السنة بأحدِ الوجوه عندَ قيامِ احتِمالها، فكذلك ينبغي أن يرجِّحوا به أحدَ الوجوه عند احتمال القرآن لها، ولم أر هذا لأحدٍ من الأصوليين، ولكنه متَّجِه عندي.
وأما ابنُ عباسٍ فيقول: إنها محكمة في إباحة المتعة، وقد اشْتُهر عنهُ
القولُ بها وتبعه أصحابُه من أهلِ مكة واليَمَن، وربما فهم القول به من بعضِ الأحاديثِ عن ابن مسعود، وكان ابنُ عباس - رضي الله تعالى عنه - يحتجُّ بهذه الآية، وروى عنه ابنُ جُرَيْجٍ وعمرُو بنُ دينار: أنه كان يقول: ما كانتِ المتعةُ إلا رحمة من الله - عزَّ وجلَّ - رَحِم بها أمةَ محمدٍ - صلى الله عليه وسلم - ، ولولا نَهْيُ عُمَر عنها، ما اضطُرَّ إلى الزنا إلا شَقِيٌّ.
وخَرَّجَ مسلمٌ عن جابرِ بنِ عبدِ الله - رضي الله تعالى عنهما - قال: تَمَتَّعْنا على عهدِ رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ، وأبي بكرٍ، ونصْفًا من خلافةِ عُمَرَ، ثم نهى عنه عُمَرُ الناسَ.
وبتحريمِ المتعةِ قال جمهورُ الصحابةِ - رضي الله تعالى عنهم - ، وأجمع عليه فقهاءُ الأمصارِ بعد الخلاف، ولم يخالف فيها إلا الرافضةُ، فمن قائلٍ بأنها منسوخة، ومن قائلٍ بأنها محكمة مؤولةٌ كما قدمنا.
فإن قال قائل: فكيف استمرَّتِ الإباحةُ بعدَ موتِ النبي - صلى الله عليه وسلم - في زمنِ أبي بكرٍ، ونِصْفٍ من خلافةِ عمرَ - رضي الله تعالى عنهما - مع وجودِ النهي عنه - صلى الله عليه وسلم - ؟
قلنا: يحتمل أمرين: