ولأجل هذا المأخَذِ رَدَدْنا إلحاقَ بعضِ السلف بهؤلاء مَنْ عداهُنَّ من المَحارم؛ حيث قالوا: يحرمُ الجمعُ بينَ كُلِّ امرأتينِ بينَهما رَحِمٌ محرِّمةٌ أو غيرُ محرمة، فمنعوا الجَمْعَ بين ابنتي عَمٍّ، وابنتي عَمَّةٍ، وبين ابنتي خالٍ، وابنتي خالةٍ، وبينَ المرأةِ وبنتِ بنتِ عَمِّها، أو بنتِ بنتِ عَمَّتِها، أو بنتِ بنتِ خالتِها، أو بنتِ بنتِ خالِها.
* واختلف أهلُ العلم في قوله تعالى: {فَمَا اسْتَمْتَعْتُمْ بِهِ مِنْهُنَّ فَآتُوهُنَّ أُجُورَهُنَّ فَرِيضَةً وَلَا جُنَاحَ عَلَيْكُمْ فِيمَا تَرَاضَيْتُمْ بِهِ مِنْ بَعْدِ الْفَرِيضَةِ} [النساء: 24] .
فقال قومٌ: نزلت في نِكاح المُتْعَةِ، فكانَ ابنُ عباسٍ، وابنُ مسعودٍ، وأُبَيُّ بنُ كعبٍ، وابنُ جبيرٍ يقرؤون: (فما استمتعتُم بهِ منهنَّ إلى أجلٍ مُسَمًّى) .
ثم افترقوا، فقال قومٌ؛ نَسخ الله ذلك بما جعل بين الزوجين من الطلاق في سورة البقرة، وبما فرضَ من الميراث والعِدَّةِ والصَّداق.
فإن قال قائل: فما وجهُ التعارض والنسخ؟
فالجواب: أنه لما وجدنا سنةَ الله التي شَرَعَها بين الزوجين؛ من استمرارِ النكاحِ، ووقوعِ الطلاق، وفرضِ الميراث، ووجوبِ العِدَّةِ معارضًا لخصائصِ المُتعةِ؛ لأن المتعة قولُ الرجلِ للمرأة: أتزوجُك على كذا وكذا، إلى أجل كذا وكذا، على أن لا ميراثَ بيننا، ولا طلاقَ ولا عِدَّةَ، استدللنا على أن أحدَهما ناسخٌ للآخَرِ، فوجدنا الشرعَ استقرَّ على هذا، وبينتِ السنَّةُ تحريمَ نِكاح المُتعةِ، فجعلناها مبينةً للناسخ في القرآن، لا ناسخةً
للقرآن، وفي هذا الوجه نظر.
فلقائل أن يقول: لا تعارُضَ بينَ نكاحِ المتعةِ والنكاحِ الصحيح؛ لأنَّ النكاحَ كان على نوعين.
فحيث اشترط ذلكَ، كان متعةً كما شرط، وحيث ذكر الرجلُ المُسَمَّى ووقتَ النكاح، كان متعةً من خصائصِه تركُ الميراثِ وعدمُ الحاجةِ إلى الطلاق، وإن لم يشترطْ، ولم يسمَّ الأجلَ، كان نكاحًا تامًا مؤبدًا يترتَّبُ عليه أحكامُهُ من الطلاقِ والميراثِ والعدَّةِ.
فيكون الراجحُ ما قال الآخرون: إن الآية مُحكمة، والمعنى: فما استمتعتم به منهن، أي: فما انتفعتم به، وتلذَّذْتُم من النساء بالنكاحِ الصحيحِ، فآتوهُن أجورَهُن، أي: مُهورَهُنَّ فريضةً.