وظنَّ بعضُ المتأخرين أن منشأ اختلافِ الفريقين هو الأصلُ المشهورُ في الصفة إذا تعقبت جُملًا عُطِفَ بعضُها على بعض، هل يعود إلى الجميع، أو يختصُّ بالأخيرة؟ واعتقد أن قوله تعالى: {اللَّاتِي دَخَلْتُمْ بِهِنَّ} [النساء: 23] عائدٌ إلى الجميع على قول، وغير عائد على قول، وليس كذلك، بل تقييد الصفة خاصٌّ بالربائب.
وإنما اختلفوا في إلحاقِ الأمهات بالبنات في التقييد:
فمنهم من ألحقها بالبنت، فاشترطَ الدخولَ، ولم يرَ بينهما فرقًا.
ومنهم من لم يُلْحقها بها، ورأى أن الأمَّ لا يُصيبها نُفْرَةٌ، ولا يلحقها غَيْرَةٌ على ابنتها، بخلاف البنتِ، كما هو المعهودُ من طباعِ الناس، فرآه فارقًا من محاسن الشريعة.
فإن قيل: فتقييدُ الربائب بكونهن في الحُجور يدلُّ على أنهن إذا لم يكنَّ في الحُجور لا يَحْرُمْنَ.
فالجوابُ: أن هذا الخطابَ لا مفهومَ له، وإنما ورد استعمالهُ على غالبِ الوجود؛ فإن الموجودَ من أحوال الناس أن الربائبَ لا يَكُنَّ إلا في حُجورِ أزواجِ أمهاتهن، وهذا قولُ جمهورِ أهل العلم.
وخالف داودُ، فجعلَه مفهومًا، وأباحَ الربيبةَ التي لم تكنْ في حجرِ الرجل، وهذا من ظواهره البعيدة.
* وأما مفهومُ قوله تعالى: {وَحَلَائِلُ أَبْنَائِكُمُ الَّذِينَ مِنْ أَصْلَابِكُمْ} [النساء: 23] ، فهو يدلُّ على أن زوجةَ الابن من التبنيِّ لا تَحْرُمُ، وهي كذلك حَلالٌ بالإجماعِ.
وقد ورد حِلُّه مبيَّنًا في موضعٍ آخرَ، قال الله جَلَّ جلالهُ: {لِكَيْ لَا يَكُونَ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ حَرَجٌ فِي أَزْوَاجِ أَدْعِيَائِهِمْ إِذَا قَضَوْا مِنْهُنَّ وَطَرًا} [الأحزاب: 37] ، وهو المراد بمفهوم الآية، وأما حليلُة ابنِ الرَّضاع، فحرامٌ بالاتفاق؛ لقوله - صلى الله عليه وسلم -:"يَحْرُمُ منَ الرَّضاعِ ما يَحْرُمُ منَ النَّسَبِ".
"ثم حرم الله سبحانه الجمعَ بين الأختين، فقال: {وَأَنْ تَجْمَعُوا بَيْنَ الْأُخْتَيْنِ إِلَّا مَا قَدْ سَلَفَ} [النساء: 23] ، وذلك إجماعٌ، سواءٌ كُنَّ معًا، أو مُتَرَتبِّاتٍ."
والحكمةُ إيقاعُ البُغْضِ والتقاطعُ بين الأرحام.
* وبَيَّنَ النبيُّ - صلى الله عليه وسلم - أن الجمعَ بين المرأةِ وخالَتِها، وبينَ المرأةِ وعمَّتِها في معنى الجمعِ بين الأختين، وعلى هذا اتفق أهلُ العلم.
قال أبو عبد الله الشافعيُّ: وهو قولُ من لَقِيتُ من المُفْتين، لا اختلافَ بينهم فيما علمتُه.