والاستثناءُ في قوله تعالى: {إِلَّا مَا قَدْ سَلَفَ} راجعٌ إلى الجملَةِ الأخيرة، قال ابنُ عباسٍ - رضي الله تعالى عنهما -: كان أهلُ الجاهلية يُحَرِّمون ما حَرَّمَ اللهُ، إلا امرأةَ الأبِ، والجمعَ بين الأختين.
* ثم حرم الله سبحانه المزوَّجاتُ من النساءِ على غير أزواجهنَّ، فإنه أكبرُ الزنا وأعظمُه، فقال: {وَالْمُحْصَنَاتُ مِنَ النِّسَاءِ إِلَّا مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ} [النساء: 24] ، والمراد بالمُحْصنات هنا: المزوَّجات.
فإن قال قائل: فبيِّنْ لنا حقيقةَ الإحصان، والدليلَ على أن المرادَ به المزوجاتُ؛ فإنَّا رأينا الإحْصانَ يقعُ في كتابِ الله على معانٍ مختلفة.
قلنا: هو كما ذكرتَ يقعُ على معاني مختلفة، ولكنه إن وقعَ على معانٍ مختلفة، فإنه يجمعُها معنًى واحدٌ، وهو المنعُ.
فالإحصانُ مأخوذٌ من التحصين، وهو المنعُ، فكلُّ ما يَمْنَعُ فهو مُحْصِن - بكسر الصاد - وما مُنِع فهو مُحْصَنٌ - بفتح الصاد - قال الله تعالى: {وَعَلَّمْنَاهُ صَنْعَةَ لَبُوسٍ لَكُمْ لِتُحْصِنَكُمْ مِنْ بَأْسِكُمْ} [الأنبياء: 80] ، وقال تعالى: {لَا يُقَاتِلُونَكُمْ جَمِيعًا إِلَّا فِي قُرًى مُحَصَّنَةٍ} [الحشر: 14] ، يعني: ممنوعة، وقال تعالى: {وَالَّتِي أَحْصَنَتْ فَرْجَهَا} [الأنبياء: 91] ، أي: منعته عن الزنا.
وهو يقعُ في القرآن على معانٍ.
منها: العِفَّةُ؛ لأنها مانعةٌ؛ لقوله تعالى: {مُحْصَنَاتٍ غَيْرَ مُسَافِحَاتٍ} [النساء: 25] ، أي: عفائفَ غيرَ زوانٍ.
ومنها: الحرية؛ لأنها مانعةٌ، وذلك كقوله تعالى: {فَعَلَيْهِنَّ نِصْفُ مَا عَلَى الْمُحْصَنَاتِ مِنَ الْعَذَابِ} [النساء: 25] ، وكقوله تعالى: {وَالَّذِينَ يَرْمُونَ الْمُحْصَنَاتِ} [النور: 4] ، وكقوله تعالى: {وَالْمُحْصَنَاتُ مِنَ الْمُؤْمِنَاتِ وَالْمُحْصَنَاتُ مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ مِنْ قَبْلِكُمْ} [المائدة: 5] ، وكقوله تعالى: {أَنْ يَنْكِحَ الْمُحْصَنَاتِ الْمُؤْمِنَاتِ} [النساء: 25] .
ومنها: الإسلامُ؛ لأنه مانعٌ، وذلك كقوله تعالى: {فَإِذَا أُحْصِنَّ فَإِنْ أَتَيْنَ بِفَاحِشَةٍ فَعَلَيْهِنَّ نِصْفُ مَا عَلَى الْمُحْصَنَاتِ} ، أي: أسلمْنَ، وهذا
تأويلُ الشافعيِّ - رحمه الله تعالى - المشهورُ عنه، ويروى عن عبدِ الله بن مسعود، والدليلُ عليه قوله - صلى الله عليه وسلم -:"إذا زَنَتْ أَمَةُ أَحَدِكُمْ فَتَبَيِّنَ زِناها، فَلْيَحُدَّها".