وقال الشافعي وغيره: لا يجوز أن يزوجها هو من نفسه، وقد جاء عن مالك الكراهية في أن يزوج الرجل وليته من نفسه أو من ابنه. وقع ذلك في (( الواضحة ) ). وفي الآية دليل على أن الولي شرط في النكاح، خلافًا لمن يجيز النكاح بغير ولي جملة، دنية كانت المرأة أو شريفة؛ لأن الله تعالى خاطب بإنكاح اليتامى والأولياء، ولولا أن أمر نكاحهم إليهم لما خاطبهم بذلك، ومثل هذا الكتاب العزيز كثير؛ كقوله تعالى: {فلا تعضلوهن} [البقرة: 232] ، وقوله: {وأنكحوا الأيامى منكم} [النور: 32] ، وقوله: {ولا تنكحوا المشركين حتى يؤمنوا} [البقرة: 221] ، وقد تقدم. وأما تفرقة أهل الظاهر بين البكر والثيب في ذلك، وقولهم: إن كانت بكرًا فلا بد من ولي، وإن كانت ثيبًا فلا تحتاج إلى ولي فلا وجه له، وهو خلاف ظاهر الآية، لأن الله تعالى لم يخص بالخطاب ولي الثيب دون ولي البكر.
واحتج أبو حنيفة ومحمد بن الحسن بهذه الآية، في أنه يجوز للولي
أن يزوج من نفسه اليتيمة التي لم تبلغ. ورأيا أن المراد باليتامى في الآية اللائي هن على تلك الصفة، وهي التي لا أمر لها في صداقها، فأما من هي بالغ فلها الأمر في صداقها، ولها أن تراضي وليها على ما شاءت ثم يتزوجها على ذلك فيكون لها حلالًا؛ كما قال تعالى: {فإن طبن لكم عن شيء منه نفسًا فكلوه} .
وهذا لا يجوز عند مالك والشافعي وغيرهما، ويفسخ هذا النكاح عند مالك قبل الدخول وبعده. ومن الحجة على أبي حنيفة ومن تابعه أنه قد يكون في اليتامى من تجوز حد البلوغ وهي بعد سفيهة، فلا يجوز بيعها ولا شيء من أفعالها؛ فأمر الله تعالى أولياءهن بالإقساط لهن في صدقاتهن، فليس هو أولى بالتأويل ممن عارضه، وتأويل الآية في اليتيمة البالغ السفيهة أو في جميع اليتامى.
وقد اختلف في اليتيمة غير البالغ هل يجوز تزويجها قبل البلوغ بغير الأب أم لا؟ فلم يجز ذلك مالك. ورأى أن عموم قوله تعالى: {وإن خفتم ألا تقسطوا في اليتامى} مخصص باليتيمة البالغ، وأجازه في رواية أخرى عنه إذا كانت ذات حاجة، وأجازه غيره كيفما كانت، واحتج بعموم هذه الآية.
فيترتب على هذا الخلاف في اليتامى: هل المراد بهن البوالغ خاصة أم