واستأنف الرماني القول فِي الإيجاز، فأوضح الفرق بينه وبين التقصير، وذكر أوجه الإيجاز ومسالكه ومراتبه، من حيث كانت المعرفة بها"سبيلاً إلى معرفة فضيلة ما جاء فِي القرآن منه على سائر الكلام، وعلوه على غيره من أنواع البيان"وختم الباب بقوله:
"الإيجاز تهذيب الكلام بما يحسن به البيان. والإيجاز تصفية الألفاظ من الكدر وتخليصها من الدرن. والإيجاز البيانُ عن المعنى بأقل ما يمكن من الألفاظ. والإيجاز إظهار المعنى الكثير باللفظ اليسير"80.
وعلى هذا النهج سار"الرماني"فِي الأبواب الأخرى التسعة، للبلاغة عنده. وقد تمهلت فِي الوقوف عنده دون ضجر بنقل ما نقلتُ منه، لأني أقدر أن الرماني قدم فِي (النكت) محاولة جليلة من المحاولات الرائدة فِي التصنيف البلاغي وتنسيق أبواب ومصطلحات فيه. كما أردت أن ألفت إلى كونه لم يخرج عن موضوع الإعجاز فيما عرض له من أبواب البلاغة، بل كان همه أن يقدم لكل باب شواهده القرآنية، وان يلمح بذوق مرهف ما فيها من نكت بلاغية.
وهذا ما نفتقده فِي أكثر الكتب التي تناولت إعجاز القرآن من جهة البلاغة، بعد
الرماني. فنرى الباقلاني مثلاً يُخرج فِي كتابه عن الدراسة القرآنية إلى دراسات للشعر، ونرى عبد القاهر يستكثر فِي (الدلائل) من الاستشهاد بالشعر. وقلما يأتي بشواهد قرآنية تجلو الملحظ البلاغي. وهذا هو ما غلب على جمهرة المصنفين من البلاغيين فيما عدا قلة منهم جعلت للشواهد القرآنية المكان الأول فِي مباحثها البلاغية، كابن أبي الأصبع المصري - فِي القرن السابع - الذي سار فِي (بديع القرآن) على نهج الرماني، فِي تقديم الشاهد القرآني.
ونرجئ التعرض لرأي الرماني فِي بلاغة اللفظ والمعنى إلى حيث يتسع المجال لمثل هذا فِي"مذهب النظم للجرجاني"