"وأما الإيجاز بالقصر دون الحذف فهو أغمض من الحذف وإن كان الحذف غامضاً، للحاجة إلى العلم بالمواضع التي يصلح فيها من المواضع التي لا يصلح. فمن ذلك:"
{وَلَكُمْ فِي الْقِصَاصِ حَيَاةٌ}
{يَحْسَبُونَ كُلَّ صَيْحَةٍ عَلَيْهِمْ}
{إِنْ يَتَّبِعُونَ إِلَّا الظَّنَّ وَمَا تَهْوَى الْأَنْفُسُ}
{إِنَّمَا بَغْيُكُمْ عَلَى أَنْفُسِكُمْ}
{وَلَا يَحِيقُ الْمَكْرُ السَّيِّئُ إِلَّا بِأَهْلِهِ}
واستطرد الرماني إلى بيان وجه الإعجاز بإيجاز القصر فِي قوله تعالى: {وَلَكُمْ فِي الْقِصَاصِ حَيَاةٌ} عن طريق المقارنة بينها وبين ما استحسنه الناس من الإيجاز فِي قولهم:"القتل أنفى للقتل"فذكر أن التفاوت بينهما يظهر من أربعة أوجه:
-أن العبارة القرآنية أكثر فائدة، ففيها كل ما فِي قولهم: القتل أنفى للقتل، مع زيادة معان حسنة، منها إبانة العدل لذكره القصاص، وإبانة الغرض المرغوب فيه لذكره الحياة، والاستدعاء بالرغبة والرهبة لحكم الله.
-الإيجاز فِي العبارة، فعدد حروف"القتل أنفى للقتل"أربعة عشر حرفاً
وقوله تعالى {الْقِصَاصِ حَيَاةٌ} عشرة أحرف.
-البعد عن التكليف بالتكرير الذي فيه على النفس مشقة. ففي قوله:"القتل أنفى للقتل"تكريرٌ غيرهُ أبلغُ منه. ومتى كان التكرير كذلك فهو مقصَّر فِي البلاغة عن أعلى طبقة.
-العبارة القرآنية أحسن تأليفاً بالحروف المتلائمة، يُدْرَك بالحس ويوجد فِي اللفظ. فإن الخروج من الفاء إلى اللم - فِي القصاص - أعدل من الخروج من اللام إلى الهمزة - فِي: القتل أنفى - لبعد الهمزة من اللام. وكذلك الخروج من الصاد إلى الحاء، أعدل من الخروج من الألف إلى اللام.
"فباجتماع الأمور التي ذكرناها صار (الْقِصَاصِ حَيَاةٌ) أبلغ من (القتل أنفى للقتل) وإن كان بليغاً حسناً"