ويوشك أن يكون هذا هو النهج الغالب على من عدواً قيم القرآن وأحكامه وجهاً من وجوه إعجازه ، لم يفصلوها عن نظمه المعجز الذي حشدوا جهدهم للنظر فِي بلاغته.
وإعجاز القيم والمثل والأحكام القرآنية ، ليس موضع جدل أو خلاف. لكنه كما التفت الخطابي"ليس بالأمر العام فِي كل سورة من سور القرآن ، وقد كانت المعاجزة بسورة واحدة. ومعلوم بالضرورة أن سورة واحدة لا تجمع كل ما ذكروه من أحكام القرآن ومعانيه ومثله وآدابه"27.
فضلاً عن كون التشريع والأحكام ، مما اتجهت إليه عناية القرآن فِي العهد المدني أكثر ، بعد حسم قضية المعاجزة ، بآية البقرة: أولى السور المدنية.
* ويقال مثل هذا فيمن ذهبوا إلى أنه معجز بما ذَكَر من أحداث قبل أن تقع ، وأخير عن أمور كانت لا تزال مطوية فِي مضمر الغيب ، ثم حدثت تماماً كما أنبأ عنها.
وهو أحد وجوه قال بها الأشاعرة فِي الإعجاز ولم يختلف أحد معهم فِي صدق ما أخبر به القرآن من أحداث قبل أن تقع ، حتى أصحاب الصرفة من المعتزلة قالوا
به. فشيخهم"النظام"يقرر أن"الآية والأعجوبة فِي القرآن ، ما فيه من الإخبار عن الغيوب".
وأهل السنة لم يترددوا فِي تقرير أن هذا وجه من وجوه الإعجاز ، لكنه عندهم ليس الوجه العام الذي يتحقق فِي كل سورة ، فتقع به المعاجزة. والأمر فيه كما قال الخطابي:
"وزعمت طائفة أن إعجازه إنما هو فيما يتضمنه من الإخبار عن الكوائن فِي مستقبل الزمان. نحو قوله سبحانه:"
{الم (1) غُلِبَتِ الرُّومُ (2) فِي أَدْنَى الْأَرْضِ وَهُمْ مِنْ بَعْدِ غَلَبِهِمْ سَيَغْلِبُونَ (3) فِي بِضْعِ سِنِينَ} وكقوله سبحانه: {قُلْ لِلْمُخَلَّفِينَ مِنَ الْأَعْرَابِ سَتُدْعَوْنَ إِلَى قَوْمٍ أُولِي بَأْسٍ شَدِيدٍ} .
ونحوهما من الأخبار التي صدقت ...