وشخصية أبي هدرش من الشخوص المسرحية التي ابتدعها خيال أبي العلاء ، ونظم على لسانه قصيدتين مطولتين تحكيان مغامراته. والقصيدتان مشحونتان بغريب الألفاظ ، ولا كلمة منها أو من الحوار الذي أنطق فيه أبو العلاء أبا هدرش ، يمكن أن نحكم بها على كلام الجن حقيقة ، وإنما النصوص كلها لأبي العلاء تصوراً وصياغة ولفظاً!
وما تحدثت التوابع والزوابع فِي (رسالة ابن شهيد) وإنما تحدث"ابن شهيد"بلسانها ، شعراً ونثراً.
وأقرب من هذا إلى ما نحن بصدده من معاجزة الجن ، أن نذكر أن القرآن الكريم قد حكى عن الجن ، فهل يخرج ما حكاه من ذلك ، عن البيان القرآني المعجز ، إلا كلام الجن على الحقيقة ؟
وهل نطق الهدهد والنملة ، بنص الكلمات التي نتلوها فِي سورة النمل ؟
وكذلك قص علينا القرآن من قصص الغابرين ، مثل حوار أهل الكهف ، ونوح وابنه ، وموسى وفرعون والسحرة ، وامرأة العزيز ونسوة بالمدينة ، والعزيز والملأ من قومه ، وإبراهيم والملائكة ...
ولا شيء من هذا كله يمكن أن يخرج عن البيان القرآني المعجز ، لنحكم به على فصاحة هؤلاء الغابرين ، فِي اللسان العربي!
وتلقانا هنا أيضاً ، فِي قضية التحدي والمعاجزة ، مسألة بالغة الدقة ، لما داخلها من التباس ، وهي:
هل كان التحدي موجهاً إلى العرب فِي عصر المبعث ، أو إنه قائم أبداً على امتداد الزمان ؟
ذهب فريق ممن كتبوا فِي الإعجاز إلى"اختصاص أهل العصر الأول بالتحدي"وذهب آخرون إلى أنه"تحد لسائر الناس على مر العصور والأجيال".
وتردد بعضهم بين بين ، ذهبوا مرة إلى القول الأول ، ثم انساقوا إلى القول الثاني من حيث يدرون أو لا يدرون.
وقد أرى أن الخلاف فِي هذه المسألة الدقيقة يحسمه أن نفرق بين الإعجاز والتحدي: