"يبين ذلك أنه - صلى الله عليه وسلم - لو لم يخبرنا بالجن ، كنا لا نعلم إيمانهم أصلاً ، وكان لا يقدح ذلك فِي العلم بأن القرآن معجز. وكذلك القول فِي فقد المعرفة بحالهم. ولولا الخبر الوارد كنا لا نقول إن المعارضة متعذرة فكان لا يقدح فِي كون القرآن معجزاً ، وكان يحل ذلك محل أن يجعل دلالة نبوته تمكنه من حمل الحبال الراسيات وطمر البحار ، فِي أن ذلك إن تعذر على الإنس فقد صار دالاً على نبوته وإن لم نعلم تعذره على الجن أو الملائكة".
وفهُمُنا لمعاجزة الجن ، على ما قدمنا من توابع الشعراء يظاهرونهم ويلهمونهم ، يغنينا عن الخوض فِي مثل هذا الجدل الغريب والتعلق بمعتقدات العرب فِي الجن ومغامرات شعرائهم مع الغيلان ، احتجاجاً لفوت القرآن فصاحةَ الجن!
وقد نرى عجباً من العجب ، أن يسوق الباقلاني شعراً لتأبط شراً وذي الرمة وغيرهما ، ليحكم به على مستوى كلام الجن والغيلان من جهة الفصاحة!
والذي حكاه الشعراء العرب عن مغامراتهم مع الغيلان ونقلوه من كلامهم ، هو بلا ريب من كلام الشعراء أنفسهم.
ودون أن ندخل فِي مناقشة لحقيقة هذه المغامرات وما إذا كان الشعراء فيها يحكون عن مشاهدة لما تجسَّد من تصوراتهم ، أو أن الأمر فيها لا يعدو تجاوب شعرية لمغامرات خيالية.
أقول إن الشاعر حين يحكي عن الجن ويتحدث بلسان الغيلان ، فبِلُغَته يتكلم وبلسانه هو يعبر: وقد جمع"المرزبانى"فِي القرن الرابع جملة من (أشعار الجن) فِي كتاب له بهذا الاسم ، أشار إليه أبو العلاء فِي (رسالة الغفران) حين التقى بالجني"أبي هدرش ، الخيتعور ، من بني الشيصبان: حيَّ من الجن".