"قيل: قد يمكن أن نعرف ذلك بجزاء بخبر الله - عز وجل - ، وقد يمكن أن يقال إن الكلام خرج على ما كانت العرب تعتقده من مخاطبة الجن وما يروون لهم من الشعر ويحكون عنهم من الكلام. وقد علمنا أن ذلك محفوظ عندهم منقول عنهم. والقدر الذي نقلوه من ذلك قد تأملناه فهو فِي الفصاحة لا يتجاوز حد فصاحة الإنس ، ولعله يقصر عنها. ولا يمتنع أن يسمع الناس كلامهم ، ويقع بينهم وبينهم محاورات فِي عهد الأنبياء صلوات الله عليهم ، وذلك الزمان مما لا يمتنع فيه وجود ما ينقض العادات. على أن القوم إلى الآن يعتقدون مخاطبة الغيلان ، ولهم أشعار محفوظة مدونة فِي دواوينهم ...".
ونقل بعدها مختارات فِي كلام الغيلان أو وصفها ، من شعر تأبط شراً ، وشمير بن الحارث الضبى ، وعبيد بن أيوب ، وذي الرمة.
على حين أبطل"القاضي عبد الجبار"قول من قال: إن مقتضى تحدي الإنس والجن بالقرآن ، ألا نعلم كونه معجزاً إلا بعد أن نعلم تعذر المعارضة على الجن.
أبطله بقوله:"قد بينا أنا نعتبر فِي كونه القرآن ناقضاً للعادات ، العادة المعروفة دون ما لا نعرف من العادات ، فإذا لم يكن لنا فِي العقل طريق إلى معرفة الجن أصلاً لأنهم لا يُشاهَدون ولا تعرف أحوالهم بغير المشاهدة ، فقد كفانا فِي معرفة كون القرآن معجزاً ، خروجه عن عادة مَن تعرف عادته. ثم إذا علمنا بذلك صحة نبوته وخبَّرنا - صلى الله عليه وسلم - بالجن وأحوالهم ، وأنهم كالأنس فِي تعذر المعارضة عليهم ، علمنا أن حالهم كحال العرب ، لأن العلم بإعجاز القرآن موقوف على هذا العلم."