وفي هذا يقبل ما ذكره الباقلاني من تفاوت مراتبهم فِي البلاغة ، دون أن يختلط بسياق إدراكهم جميعاً لإعجاز القرآن.
ونعجب مع الباقلاني لمن"ذهب إلى أن الكل قادرون على الإتيان بمثله ، وإنما يتأخرون عنه لعدم العلم بوجه ترتيبٍ لو علموه لوصلوا إليه. وأعجب منه قول فريق منهم إنه لا فرق بين كلام البشر وكلام الله تعالى فِي هذا الباب ، وإنه يصح من كل واحد منهما الإعجاز على حد واحد".
ونراها مما أقحمه بعض المتكلمين على قضية التحدي ، فكا خطر على بال المشركين حين تورطوا جدلاً فِي أن القرآن من قول البشر ، أن أحداً من أبلغ بلغائهم يقدر على الإتيان بمثله.
والقرآن يتحدى الجن مع الإنس.
ونفهم من معاجزة الجن ، ما تواترت به المرويات من أن العرب كان الشعر يبهرها فتتصور أن لكل شاعر فحل تابِعَه من الجن يظاهره ويلهمه روائع القصيد. وشاهده فِي آية التحدي من سورة الإسراء:
{قُلْ لَئِنِ اجْتَمَعَتِ الْإِنْسُ وَالْجِنُّ عَلَى أَنْ يَأْتُوا بِمِثْلِ هَذَا الْقُرْآنِ لَا يَأْتُونَ بِمِثْلِهِ وَلَوْ كَانَ بَعْضُهُمْ لِبَعْضٍ ظَهِيرًا} .
لكن"الباقلاني"فهم من معاجزة الجن"أن نظم القرآن وقع موقعاً من البلاغة يخرج عن عادة كلام الجن (؟!) كما يخرج عن عادة كلام الإنس ، فهم يعجزون عن الإتيان بمثله كعجزنا ويقصرون دونه كقصورنا ، وقد قال الله - عز وجل -:"
{قُلْ لَئِنِ اجْتَمَعَتِ الْإِنْسُ وَالْجِنُّ عَلَى أَنْ يَأْتُوا بِمِثْلِ هَذَا الْقُرْآنِ لَا يَأْتُونَ بِمِثْلِهِ وَلَوْ كَانَ بَعْضُهُمْ لِبَعْضٍ ظَهِيرًا} .
"فإن قيل: هذه دعوى منكم وذلك أولئك أنه لا سبيل لنا إلى أن نعلم عجز الجن عن الإتيان بمثله وقد يجوز أن يكونوا قادرين على الإتيان بمثله إن كنا عاجزين ، كما أنهم قد يقدرون على أمور لطيفة وأسباب غامضة دقيقة لا نقدر نحن عليها ولا سبيل لنا للطفها إليها ، وإذا كان كذلك لم يكن إلى علم ما ادعيتم سبيل."