ولم يأتهم"محمد بن عبد الله"بآية من مثل ما أتى المرسَلون قبله. وتلا عليهم ما أوحى إليه من هذا القرآن العربي المبين ، يعرفون كما لا يعرف سواهم أنه معجز ، وما عهدوا على"محمد بين عبد الله"كذباً قط ، ولا ارتابوا فِي أمانته ورجاحة عقله وكرم خلقه ، لكنهم فِي مواجهة الدعوة التي ترفض دين آبائهم وتسفه أحلامهم وتمحق عبادتهم وتقوض ما ألفوا من أوضاع ، تصدوا لمجادلته فِي معجزة نبوته.
ومن شأن هذه المجادلة أن تورطهم فِي اتهامه بما يوقنون أنه برئ منه. ولهذا ينبغي أن نفرق فِي موقفهم من المعجزة ، بين حقيقة رأيهم فيها ، وبين ما انساقوا إليه من دعاوى جدلية فِي خصومتهم العنيدة للمصطفى عليه الصلاة والسلام ، لعلها تصد العرب عن الإيمان برسالته.
وفيما سبق من حديث المعجزة ، نقلنا ما كان من حيرتهم فِي وصف القرآن بالشعر أو السحر والكهانة ، مع إقرارهم فيما بينهم وبين أنفسهم بأنه ليس شيئاً من ذلك كله ، ويقينهم أنه غير ما عرفوا من كلام البشر.
ولم تبلغ بهم الغفلة أن يتصوروا أن العرب يفوت عليهم أن يميزوا بين
القرآن ومنظوم الشعر وسجع الكهان وهمهمة السحر ، وإنما تعلق أمل المشركين من قريش ، فِي أن يصرفوا سمع العرب الوافدين إلى مكة فِي الموسم ، عن هذا القرآن.
وتكلفوا بأهل مكة ، بأن رابطوا فِي البيت الحرام يحولون بين المسلمين وبين تلاوة القرآن فِي الحرم ، اتقاء نفاذه إلى قلوب المكيين وضمائرهم ، مع الإلحاح فِي اضطهاد من يسلم منهم.
ولكن الدعوة مضت تكسب كل يوم مؤمناً بها ...
وكلمات الله تصدع جبروت الوثنية وتزلزل صروحها ، فتجذب من حزبِها جنوداً لله ، أصحاباً لرسوله عليه الصلاة والسلام.
ومع الاضطهاد والتعذيب ، كان المسلمون يزدادون ثباتاً على عقيدتهم واستبسالاً فِي احتمال الأذى ...
وفي مهب الخطر ، بدا للمشركين أن يكذبوا الرسول ويتهموه بافتراء القرآن.