لا عن ظن بأنه افتراه حقاً ، ولا لأن فيهم من تصور"أن الكل قادرون على الإتيان بمثله".
ولكن ليلقوا ظلال الريب على رسالته ، فيصد عنها من يحرصون على بقاء الأوضاع الموروثة والأعراف الراسخة ، ومن يشق عليهم أن يعقوا آباءهم وينسلخوا من دينهم ، ومن يشفقون من تصدع كيان القبيلة التي حازت شرف السيادة الدينية وجاه السيطرة الاقتصادية والأدبية على جزيرة العرب.
يقول القاضي عبد الجبار:
"على أن ما ظهر من أحوالهم يدل على أن القوم لم يكونوا شاكَين فِي أمر القرآن ، لآن استجابة بعضهم تدل على نفي الشك ، وكذلك إعظامُ من لم يستجب لحال القرآن ، وعدوله إلى ما عدل إليه ، وكذلك عدولهم إلى الحرب"
وغيره ، فلا يصح والحال هذه أن يكونوا شاكين فِي ذلك"."
واحتدم الجدل على امتداد العهد المكي ، من أول المبعث إلى آخر سورة نزلت بمكة وهي سورة المطففين على المشهور:
إن محمداً بشر لا يُنكر بشريته ، فلماذا لا يقولون إنه تقوَّل القرآن ، فهو أفك افتراه ، وما عدا أن يكون من قول البشر ؟
وفيهم من يكتتبون أساطير الأولين ، فماذا عليهم لو زعموا أنها أساطير اكتتبها ؟
وفيهم كذلك من التقطوا كلمات من صحف الأولين ، وقد يفوت الأمر على من لم يسمعوا القرآن ، لو أن المشركين ادعوا إنه تلقى كلمات من تلك الصحف ، فهي تُملى عليه بكرة وأصيلاً ؟
ويسجل القرآن مفترياتهم لا يكتمها ، ويجادلهم فيها بما يهدي كلَّ ذي عقل وبصيرة إلى وجه الزيف فيما زعموا ، كما فِي آيات:
القلم: {وَلَا تُطِعْ كُلَّ حَلَّافٍ مَهِينٍ (10) هَمَّازٍ مَشَّاءٍ بِنَمِيمٍ (11) مَنَّاعٍ لِلْخَيْرِ مُعْتَدٍ أَثِيمٍ (12) عُتُلٍّ بَعْدَ ذَلِكَ زَنِيمٍ (13) أَنْ كَانَ ذَا مَالٍ وَبَنِينَ (14) إِذَا تُتْلَى عَلَيْهِ آيَاتُنَا قَالَ أَسَاطِيرُ الْأَوَّلِينَ} 10: 15.