لم جاءت معجزة النبي العربي بهذا البيان الذي تعلق المشركون فِي وصفه ، بالشعر وبالسحر والكهانة ، لما رسخ فِي يقينهم من سلطانه الذي لا عهد لهم بما يشبهه فِي كلام البشر ، إلا أن تكون أخذةَ السحر وأسرَ الشعر وسيطرة الكهانة ؟
ولم لم يؤيد الله رسوله المصطفى بآية من مثل ما جاء به الرسل الأولون كما اقترح الكفار من قومه وهم يحادونه ويجادلونه ؟
التفت"الشريف المرتضى"- فِي: طيف الخيال - إلى ارتباط معجزة النبي العربي بمكان البيان فِي قومه.
وأزيد الموقف إيضاحاً ، بما أطمئن إليه ، والله أعلم ، مما هدى إليه النظر فِي تاريخ الأديان المقارن من أن معجزات الأنبياء سايرت تدرج البشرية فِي مراحل تطورها من قديمها البدائي إلى عصر رشد الإنسان.
فلقد نلحظ أن موسى عليه السلام تلقى رسالته وقد آن للبشرية أن تجاوز عصر السحر. فكانت معجزته التي غلبت أفانين السحرة فِي زمنه وتحدت براعة المهرة منهم ، ليؤمن المرتابون أن ما جاء به"موسى"ليس فِي طاقة البشر ، ويصدقوا بنبوته فيهديهم برسالته إلى عصر جديد.
لكن اليهود ما لبثوا أن زيفوا الرسالة الموسوية وحرفوا كلمات الله عن مواضعها:
{فَوَيْلٌ لِلَّذِينَ يَكْتُبُونَ الْكِتَابَ بِأَيْدِيهِمْ ثُمَّ يَقُولُونَ هَذَا مِنْ عِنْدِ اللَّهِ لِيَشْتَرُوا بِهِ ثَمَنًا قَلِيلًا فَوَيْلٌ لَهُمْ مِمَّا كَتَبَتْ أَيْدِيهِمْ وَوَيْلٌ لَهُمْ مِمَّا يَكْسِبُونَ} البقرة: 79.
ومضى حين من الدهر ضجت البشرية فيه من شر عصابات من يهود ، وتزييفهم رسالة نبيهم فكانوا كما قال الله فيهم:
{مَثَلُ الَّذِينَ حُمِّلُوا التَّوْرَاةَ ثُمَّ لَمْ يَحْمِلُوهَا كَمَثَلِ الْحِمَارِ يَحْمِلُ أَسْفَارًا بِئْسَ مَثَلُ الْقَوْمِ الَّذِينَ كَذَّبُوا بِآيَاتِ اللَّهِ وَاللَّهُ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ} الجمعة: 5.