ذكر آية التوبة: (وَإِنْ أَحَدٌ مِنَ الْمُشْرِكِينَ اسْتَجَارَكَ فَأَجِرْهُ حَتَّى يَسْمَعَ كَلَامَ اللَّهِ ثُمَّ أَبْلِغْهُ مَأْمَنَهُ ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ قَوْمٌ لَا يَعْلَمُونَ(6) .
فرأى فيها الدليل البين على أن فيهم من يكون سماعه إياه حجة عليه:
فإن قيل: لو كان كذلك على ما قلتم ، لوجب أن يكون حال الفصحاء
الذين كانوا فِي عصر النبي - صلى الله عليه وسلم - ، على طريقة واحدة عند سماعه ، .
قيل له: لا يحب ذلك ، لأن صوارفهم كانت كثيرة: مها أنهم كانوا
يشكون ، ففيهم من يشك فِي إثبات الصانع ، وفيهم من يشك فِي التوحيد ،
وفيهم من يشك فِي النبوة ...
فكانت وجوه شكوكهم مختلفة وطرق شبَههم متباينة . فمنهم من قلَّت
شبهه وتأمل الحجة حق تأملها ولم يستكبر فأسلم . ومنهم من كثرت شبهه
أو أعرض عن تأمل الحجة حق تأملها ، ولم يكن فِي البلاغة على حدود النهاية
فتطاول عليه الزمان إلى أن نظر واستبصر وراعى واعتبر ، واحتاج إلى أن يتأمل عجز غيره عن الإتيان بمثله ، فلذلك وقف أمره ... ولو كانوا فِي الفصاحة على مرتبة واحدة ، وكانت صوارفهم وأسبابهم متفقة ، لتوافوا إلى القبول جملة واحدة.
وعاد الباقلاني فأكد المعنى ، وأبْعَدَ فسّوى بين العربي الذي ليس فِي المرتبة العليا من الفصاحة والأعجمي ، من حيث لا يتهيأ له"كما لا يتهيأ لمن كان لسانه غير العربية من العجم والترك وغيرهم ، أن يعرفوا إعجاز القرآن إلا بأن يعلموا أن العرب - البلغاء - قد عجزوا عن ذلك ..."