{وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَقُولُ آمَنَّا بِاللَّهِ وَبِالْيَوْمِ الْآخِرِ وَمَا هُمْ بِمُؤْمِنِينَ (8) }
وأما قوله: {وَمَا هُمْ بِمُؤْمِنِينَ} في جواب {آمَنَّا بِاللَّهِ وَبِالْيَوْمِ الْآخِرِ} [سورة البقرة: 8] فلإخراج ذواتهم من جنس المؤمنين مبالغة في تكذيبهم؛ ولهذا أطلق قوله: {بِمُؤْمِنِينَ} ، وأكد نفيه بالباء، ونحوه: {يُرِيدُونَ أَنْ يَخْرُجُوا مِنَ النَّارِ وَمَا هُمْ بِخَارِجِينَ مِنْهَا} [سورة المائدة: 37] .
{وَإِذَا قِيلَ لَهُمْ لَا تُفْسِدُوا فِي الْأَرْضِ قَالُوا إِنَّمَا نَحْنُ مُصْلِحُونَ (11) أَلَا إِنَّهُمْ هُمُ الْمُفْسِدُونَ وَلَكِنْ لَا يَشْعُرُونَ (12) }
وقد ينزّل المجهول منزلة المعلوم؛ لادّعاء المتكلم ظهوره؛ فيستعمل له الثالث نحو: {أَلا إِنَّهُمْ هُمُ الْمُفْسِدُونَ} [سورة البقرة: 11] ادَّعوا أن كونهم مصلحين ظاهر جلي، ولذلك جاء: {أَلا إِنَّهُمْ هُمُ الْمُفْسِدُونَ} [سورة البقرة: 12] للرد عليهم مؤكَّدا بما ترى: من جعل الجملة اسمية، وتعريف الخبر باللام، وتوسيط الفصل، والتصدير بحرف التنبيه ثم بـ"إن".
ومثله قول الشاعر"من الخفيف":
إنما مصعب شهاب من الله ... تجلت عن وجهه الظلماء
ادعى أن كون مصعب - كما ذهب - جلي معلوم لكل أحد، على عادة الشعراء إذا مدحوا أن يدعوا في كل ما يصفون به ممدوحيهم الجلاء، وأنهم قد شُهروا به حتى إنه لا يدفعه أحد؛ كما قال الآخر"من الطويل":
وتعذلني أفناء سعد عليهم ... وما قلتُ إلا بالتي علمتْ سعد
وكما قال البحتري"من الكامل":
لا أدَّعي لأبي العلاء فضيلة ... حتى يسلمها إليه عداه