وكما يحكى عن ورّاق يصف حاله:"عيشي أضيق من محبرة، وجسمي أدق من مسطرة، وجاهي أرقّ من الزجاج، وحظي أخفى من شقّ القلم، وبدني أضعف من قصبة، وطعامي أمرّ من العفص، وشرابي أشد سوادا من الحبر، وسوء الحال لي ألزم من الصمغ".
ولصاحب علم المعاني فضل احتياج إلى التنبّه لأنواع الجامع، لا سيما الخيالي؛ فإن جمعه على مجرى الإلف والعادة بحسب ما تنعقد الأسباب في ذلك؛ كالجمع بين الإبل والسماء، والجبال والأرض في قوله تعالى: {أَفَلَا يَنْظُرُونَ إِلَى الْإِبِلِ كَيْفَ خُلِقَتْ، وَإِلَى السَّمَاءِ كَيْفَ رُفِعَتْ، وَإِلَى الْجِبَالِ كَيْفَ نُصِبَتْ، وَإِلَى الْأَرْضِ كَيْفَ سُطِحَتْ} [سورة الغاشية: 17 - 20] بالنسبة إلى أهل الوبر، فإن جُلّ انتفاعهم في معاشهم من الإبل؛ فتكون عنايتهم مصروفة إليها، وانتفاعهم منها لا يحصل إلا بأن ترعى وتشرب، وذلك بنزول المطر، فيكثر تقلب وجوههم في السماء، ثم لا بد لهم من مأوى يُؤويهم وحصن يتحصنون به، ولا شيء لهم في ذلك كالجبال، ثم لا غنى لهم لتعذر طول مكثهم في منزل عن التنقل من أرض إلى سواها؛ فإذا فتش
البدوي في خياله وجد صور هذه الأشياء حاضرة فيه على الترتيب المذكور، بخلاف الحضري، فإذا تلا قبل الوقوف على ما ذكرنا؛ ظن النسقَ"لجهله"مَعِيبا.
{وَعَلَى أَبْصَارِهِمْ غِشَاوَةٌ ... (7) }
أغراض تنكير المسند إليه:
وأما تنكيره: فللإفراد كقوله تعالى: {وَجَاءَ رَجُلٌ مِنْ أَقْصَى الْمَدِينَةِ يَسْعَى} [سورة القصص: 20] ؛ أي: فرد من أشخاص الرجال. أو للنوعية؛ كقوله تعالى: {وَعَلَى أَبْصَارِهِمْ غِشَاوَةٌ} [سورة البقرة: 7] أي: نوع من الأغطية غير ما يتعارفه الناس وهو غطاء التعامي عن آيات الله.
ومن تنكير غير المسند إليه للإفراد قوله تعالى: {ضَرَبَ اللَّهُ مَثَلًا رَجُلًا فِيهِ شُرَكَاءُ مُتَشَاكِسُونَ وَرَجُلًا سَلَمًا لِرَجُلٍ} [سورة الزمر: 29] . وللنوعية: قوله تعالى: {وَلَتَجِدَنَّهُمْ أَحْرَصَ النَّاسِ عَلَى حَيَاةٍ} [سورة البقرة: 96] أي: نوع من الحياة مخصوص وهو الحياة الزائدة، كأنه قيل:"لتجدنهم أحرص الناس وإن عاشوا ما عاشوا على أن يزدادوا إلى حياتهم في الماضي والحاضر حياة في المستقبل"؛ فإن الإنسان لا يوصف بالحرص على شيء ، إلا إذا لم يكن ذلك الشيء موجودا له حال وصفه بالحرص عليه