وقال القشيري:
«ما أَنْزَلْنا عَلَيْكَ الْقُرْآنَ لِتَشْقى» : أي ليس المقصود من إيحائنا إليك تعبدك، وإنما هذا استفتاح الوصلة، والتمهيد لبساط القربة.
ويقال إنه لما قال له: «وَلا تَمُدَّنَّ عَيْنَيْكَ إِلى ما مَتَّعْنا بِهِ أَزْواجاً مِنْهُمْ» وقف بفرد قدم تباعدا وتنزها عن أن يقرب من الدنيا استمتاعا بها بوجه فقيل له: طأ الأرض بقدميك.
لم كل هذا التعب الذي تتحمله؟ فزاد في تعبده، ووقف، حتى تورمت قدماه وقال:
«أفلا أكون عبدا شكورا» أي لما أهلني من التوفيق حتى أعبده. اهـ (لطائف الإشارات) .
قوله تعالى: {اذْهَبْ إِلَى فِرْعَوْنَ إِنَّهُ طَغَى (24) }
يشير إلى معنيين:
أحدهما: إن السالك الصادق إذا بلغ مرتبة كمال يقيضه الله لدلالة عباده لهدايتهم وتربيتهم ودعوتهم إلى الله.
والثاني: إن كمال الكمال للبالغين في أن يرجعوا إلى الخلق لمخالطتهم والصبر على أذاهم ليخبروا بذلك حلمهم وعفوهم. اهـ (التأويلات النجمية) .
قوله: (وَاجْعَلْ لِي وَزِيراً مِنْ أَهْلِي. هارُونَ أَخِي)
[لطيفة]
قال القشيري:
سأل أن يصحب أخاه معه، ولما ذهب لسماع كلام الله حين قال تعالى: «وَواعَدْنا مُوسى ثَلاثِينَ لَيْلَةً» كان بمفرده، لأن الذهاب إلى الخلق يوجب الوحشة فطلب من أخيه الصحبة ليخفّف عليه كلفة المشقة.
ويقال إن المحبة توجب التجرّد والانفراد وألا يكون للغير مع المحبّ مساغ ففي ذهابه إلى فرعون استصحب أخاه، ولمّا كان الذهاب إلى الميقات لم يكن للغير سبيل إلى صحبته، إذ كان المقصود من ذهابه أن يكون مخصوصا بحاله. اهـ (لطائف الإشارات) .
[لطيفة]
قال القشيري:
(كَيْ نُسَبِّحَكَ كَثِيراً(33) وَنَذْكُرَكَ كَثِيراً (34)
بيّن أنّ طلبه مشاركة أخيه له بحقّ ربه لا بحظّ نفسه حيث قال: «كَيْ نُسَبِّحَكَ كَثِيراً وَنَذْكُرَكَ كَثِيراً» .
اهـ (لطائف الإشارات) .
[لطيفة]
قال القشيري:
(قالَ قَدْ أُوتِيتَ سُؤْلَكَ يا مُوسى(36)
أعطيناك ما سألت، وتناسيت ابتداء حالك حين حفظناك في اليمّ ونجّينا أمّك من ذلك الغمّ، وربّيناك في حجر العدوّ .. فأين - حينذاك - كان سؤالك واختيارك ودعاؤك؟
وأثبتنا في قلب امرأة فرعون شفقتك، وألقينا عليك المحبة حتى أحبك عدوّك، وربّاك حتى قتل بسببك ما لا يحصى من الولدان، والذي بدأك بهذه المنن هو الذي آتاك سؤلك، وحقّق لك مأمولك. اهـ (لطائف الإشارات) .