قال القرطبي: وقد عَايَنَ إبليس ما عاينَ من آيات الله تبارك وتعالى ثم عَانَدَ.
{وَلَوْ تَرَى إِذْ وُقِفُوا عَلَى رَبِّهِمْ قَالَ أَلَيْسَ هَذَا بِالْحَقِّ قَالُوا بَلَى وَرَبِّنَا قَالَ فَذُوقُوا الْعَذَابَ بِمَا كُنْتُمْ تَكْفُرُونَ (30) }
«فَإِنْ قِيلَ» : قد قال تبارك وتعالى: {وَلاَ يُكَلِّمُهُمُ} [آل عمران: 77] ، وهاهنا قد قال [لهم] : «أليس هذا بالحقِّ» ؟
فما وَجْهُ الجمع؟
فالجَوابُ: لا يكلمهم بالكلام الطيب النافع.
قال ابن عباس: هذا في موقف، وقولهم: «واللَّه ربنا ما كنا مشركين» في موقف آخر، والقيامةُ مواقف، في موقف يُقِرُّونَ، وفي موقف ينكرون.
قوله: {فَذُوقُواْ العذاب بِمَا كُنتُمْ تَكْفُرُونَ} خَصَّ لفظ الذَّوْقِ، لأنهم في كل حال يجدونه وجدانَ الذَّائقِ.
{قَدْ خَسِرَ الَّذِينَ كَذَّبُوا بِلِقَاءِ اللَّهِ حَتَّى إِذَا جَاءَتْهُمُ السَّاعَةُ بَغْتَةً قَالُوا يَاحَسْرَتَنَا عَلَى مَا فَرَّطْنَا فِيهَا وَهُمْ يَحْمِلُونَ أَوْزَارَهُمْ عَلَى ظُهُورِهِمْ أَلَا سَاءَ مَا يَزِرُونَ (31) }
اعلم أن كلمة «حتى» غاية لقوله: «كذبوا» لا لقوله: «قد خَسِرَ» ، لأن خسرانهم لا غَايَةَ له، ومعنى «حتى» هاهنا أنَّ مُنْتَهَى تكذيبهم الحَسْرةُ يوم القيامة والمعنى: أنهم كذبوا بالبَعْثِ إلى أن ظهرت السَّاعةُ بَغْيَةً،
«فَإِنْ قِيلَ» : إنما يَتَحَسَّرُونَ عن موتهم؟
فالجَوابُ: لما كان المَوْتُ وُقُوعاً في أحوال الآخرة ومقدماتها جُعِلَ من جنس السَّاعة، وسُمِّيَ باسمها، فلذلك قال عَلَيْهِ الصَّلَاة وَالسَّلَام ُ: «مَنْ مَاتَ فَقَدْ قَامَتْ قِيَامَتُهُ» والمراد بالساعة: القيامة.
قوله: «وَهُمْ يَحْمِلُونَ» «الواو» للحال، وصَاحِبُ الحال «الواو» في «قالوا» أي: قالوا: يا حَسْرَتَنَا في حالةِ حَمْلِهِمْ أوْزَارَهُمْ.
وصُدِّرت هذه الجملة بصمير مبتدأ؛ ليكون ذِكْرُهُ مَرَّتين فهو أبْلَغُ.
والحَمْلُ هنا قيل: مجازٌ عن مُقَاساتِهِمُ العذابَ الذي سَبَبُهُ الأوْزَارُ.