وأما ما يدل على أنه"شيء"فقوله: {إِلَيَّ وَلَمْ يُوحَ إِلَيْهِ} [الأنعام: 93] ، فدل على أن الوحي شيء ، ودل ما تَقدَّم على أنه لا كالأشياء.
قال بشر: قد زعمت أن الله يخلق الأشياء، وادّعيتَ أنَّها تكون بقوله، وأنَّها تكون بالحق، وأنَّها تكون بأمره، وهذا متناقض.
قال عبد العزيز: إِنّ قولَه هو كلامُه، وقولَه هو الحقُّ، وأمرَه هو كلامُه: فالألفاظ الثلاثة ترجع إلى معنى واحد، كما سمى كلامه: نوراً وهدىً وشفاءً ورحمةً و {وَقُرْآناً فَرَقْنَاهُ} ، وكله يرجع إلى شيء واحد، كذلك ذاك.
وكما سمى نفسه: فرداً صمداً واحداً، وهو شيء واحد لا كالأشياء.
وهذا إنّما منعه بِشْر لجِهلِه بِلُغةِ العرب.
قال بشر: لَستُ أَقْبَلُ لغةَ العرب، ولا أَقَبل إلا النص.
قال عبد العزيز: فقلت: قال الله: {يُرِيدُونَ أَن يُبَدِّلُواْ كَلاَمَ الله} [الفتح: 15] ، ثم قال: {كذلكم قَالَ الله مِن قَبْلُ} [الفتح: 15] ، فسمى القرآن كلامه، ثم سماه: قوله، وقال: {وَهُوَ الحق مُصَدِّقاً لِّمَا مَعَهُمْ} [البقرة: 91] ، فسمى القرآن حقاً، وقال: {وَكَذَّبَ بِهِ قَوْمُكَ وَهُوَ الحق} [الأنعام: 66]
وقال: {لَقَدْ جَآءَكَ الحق مِن رَّبِّكَ} [يونس: 94] ، ومثل هذا كثير.
قال بشر: قد أقررت يا عبد العزيز أن القرآن شيء على صفة ما، وقد قال تعالى: {الله خَالِقُ كُلِّ شَيْء} وهذه لفظة لم تدع شيئاً من الأشياء إلا أدخلته في الخلق، ولا يخرج عنها شيء ، قد تقَصَّتْ جميع الأشياءِ، فصار القرآن مخلوقاً بنص القرآن.
قال عبد العزيز: فقلت: قال الله: {تُدَمِّرُ كُلَّ شَيْءٍ بِأَمْرِ رَبِّهَا} [الأحقاف: 25] ، فهل أبقت الريح - يا بشر - شيئاً لم تدمره؟