والذي يدل على خطأ قول قطرب قوله: {يَوْمَ يَبْعَثُهُمُ الله جَمِيعاً فَيَحْلِفُونَ لَهُ كَمَا يَحْلِفُونَ لَكُمْ} [المجادلة: 18] . فلم (يحلفوا للنبي) قط إلا وهم يعلمون أنهم كاذبون، وقد أخبر الله أن اليمينين متساويتان.
وقوله: {انظر كَيْفَ كَذَبُواْ} يدل على أنهم تعمدوا الكذب.
(انْظُرْ كَيْفَ كَذَبُوا عَلَى أَنْفُسِهِمْ وَضَلَّ عَنْهُمْ مَا كَانُوا يَفْتَرُونَ(24)
معنى النظر هنا: هو نظر القلب"معناه: تَبيَّنْ فاعلم كيف كذبوا في الآخرة".
وقوله: {كَذَبُواْ} معناه: يكذبون، إلا أنه لما كان أمراً يقع بلا شك، أخبر عنه بمثل ما يخبر عما وقع.
ومعنى {وَضَلَّ عَنْهُمْ مَّا كَانُواْ يَفْتَرُونَ} أي: وفارقتهم الأنداد والأصنام، وتبرأوا منها.
وقيل: معناه ذهب عنهم ما كانوا يختلقون.
(وَمَا مِنْ دَابَّةٍ فِي الْأَرْضِ وَلَا طَائِرٍ يَطِيرُ بِجَنَاحَيْهِ إِلَّا أُمَمٌ أَمْثَالُكُمْ ...(38)
ومعنى: {يَطِيرُ بِجَنَاحَيْهِ} - وقد علم أنه لا يطير إلا بهما -: أن هذا كلام جرى على عادة العرب في لغاتها في التأكيد فخوطبوا بما يعلمون أنه مستعمل عند العرب، تقول العرب:"مشيتُ إليه برجلي"و"كلمته بفمي"فوكد الطيران بقوله: (بجناحيه) على ذلك.
وقيل: لما كانت العرب تستعمل لفظ"الطيران"في غير الطائر، فتقول لمن ترسله في حاجة:"طِير في حاجتي"، تريد"أسرع".
ويقولون:"كاد الفرس يطير"إذا أسرع في جريه، فيعبرِّون بالطيران عما ليس له جناحان، ففرق بذكر الجناحين بين المعنيين.
ويكون"الطائر"عمل الإنسان اللازم له من خير وشر، ويكون"الطائر"من السعد والنحس، كقوله: {طَائِرُكُمْ عِندَ الله} [النمل: 47] ، فبين في الآية. أنه الطائر الذي يطير بجناحيه، لا غير.
(أَلَا لَهُ الْحُكْمُ وَهُوَ أَسْرَعُ الْحَاسِبِينَ(62)