وَقَالَ مُجَاهِد: الرُّسُل من الْإِنْس، وَأما الْجِنّ فَمنهمْ النّذر، كَمَا قَالَ الله - تَعَالَى -: {وَلَّوْا إِلَى قَوْمِهِمْ مُنْذِرِينَ} فعلى هَذَا لِلْآيَةِ مَعْنيانِ: أَحدهمَا أَن قَوْله: {رسل مِنْكُم} ينْصَرف إِلَى أحد الصِّنْفَيْنِ، وَهُوَ الْإِنْس، وَمثله قَوْله تَعَالَى: {يخرج مِنْهُمَا اللُّؤْلُؤ والمرجان}
وَالْمرَاد: أحد الْبَحْرين، المالح دون العذب.
قَوْله تَعَالَى: {فَإِنْ كَذَّبُوكَ فَقُلْ رَبُّكُمْ ذُو رَحْمَةٍ وَاسِعَةٍ}
«فإنْ قيلَ» : مَا معنى هَذَا، وَإِنَّمَا يَلِيق بتكذيبهم وَعِيد الْعَذَاب لَا وعد الرَّحْمَة؟
قَالَ ثَعْلَب: هُوَ الرَّحْمَة بِتَأْخِير الْعَذَاب عَنْهُم، لَا بترك أصل الْعَذَاب، وَهَذَا حسن، بِدَلِيل قَوْله: {وَلَا يرد بأسه عَن الْقَوْم الْمُجْرمين} يَعْنِي: فِي الْقِيَامَة، إِذا جَاءَ وقته؛ فَسئلَ ثَعْلَب: أَلَيْسَ أَن الله - تَعَالَى - قد عذب الْكفَّار فِي الدُّنْيَا؟ فَقَالَ: هَذَا فِي الْكفَّار من قوم نَبينَا مُحَمَّد لم يعذبهم الله؛ ببركته فيهم، كَمَا قَالَ: {وَمَا كَانَ الله ليعذبهم وَأَنت فيهم} {وَمَا أَرْسَلْنَاك إِلَّا رَحْمَة للعاملين} .
قَوْله تَعَالَى: {قُلْ تَعَالَوْا أَتْلُ مَا حَرَّمَ رَبُّكُمْ عَلَيْكُمْ أَلَّا تُشْرِكُوا بِهِ شَيْئًا}
«فَإِن قَالَ قَائِل» : الله - تَعَالَى - مَا حرم ترك الشّرك بل أَمر ربه، فَمَا معنى قَوْله: {أَلا تُشْرِكُوا بِهِ شَيْئا} ؟
فِيهِ جوابان: أَحدهمَا: أَن قَوْله (لَا) صلَة، وَتَقْدِيره: أَن تُشْرِكُوا؛ فعلى هَذَا استقام الْكَلَام.
وَالثَّانِي: أَن قَوْله: {تَعَالَوْا أتل مَا حرم ربكُم} كَلَام تَامّ، ثمَّ قَوْله: {عَلَيْكُم أَلا تُشْرِكُوا} ابْتِدَاء كَلَام، وَإِذا قدر هَكَذَا استقام الْكَلَام أَيْضا.
قَوْله تَعَالَى: {ثُمَّ آتَيْنَا مُوسَى الْكِتَابَ تَمَامًا عَلَى الَّذِي أَحْسَنَ وَتَفْصِيلًا لِكُلِّ شَيْءٍ وَهُدًى وَرَحْمَةً لَعَلَّهُمْ بِلِقَاءِ رَبِّهِمْ يُؤْمِنُونَ (154) }
«فإنْ قيلَ» : كَيفَ قَالَ: {ثمَّ آتَيْنَا مُوسَى الْكتاب} بعد ذكر مُحَمَّد، ومُوسَى أُوتِيَ الْكتاب قبله، وَكَلمة (ثمَّ) للتعقيب؟
قيل: مَعْنَاهُ: ثمَّ أخْبركُم أَنا آتَيْنَا مُوسَى الْكتاب. انتهى انتهى {تفسير السمعاني} ...