قُلْنَا: لَيْسَ الْمَقْصُودُ مَا ذَكَرْتُمْ، بَلِ الْمَقْصُودُ أَنَّهُمْ إِذَا رَأَوْهُ بَقُوا شَاكِّينَ فِيهِ، وَقَالُوا: إِنَّمَا سُكِّرَتْ أَبْصَارُنَا، فَإِذَا لَمَسُوهُ بِأَيْدِيهِمْ فَقَدْ يَقْوَى الْإِدْرَاكُ الْبَصْرِيُّ بِالْإِدْرَاكِ اللَّمْسِيِّ، وَبَلَغَ الْغَايَةَ فِي الظُّهُورِ وَالْقُوَّةِ، ثُمَّ هَؤُلَاءِ يَبْقُونَ شَاكِّينَ فِي أَنَّ ذَلِكَ الَّذِي رَأَوْهُ وَلَمَسُوهُ هَلْ هُوَ مَوْجُودٌ أَمْ لَا، وَذَلِكَ يَدُلُّ عَلَى أَنَّهُمْ بَلَغُوا فِي الْجَهَالَةِ إِلَى حَدِّ السَّفْسَطَةِ، فَهَذَا هُوَ الْمَقْصُودُ مِنَ الْآيَةِ لَا مَا ذَكَرْتُمْ واللَّه أَعْلَمُ.
(وَقالُوا لَوْلا أُنْزِلَ عَلَيْهِ مَلَكٌ وَلَوْ أَنْزَلْنا مَلَكًا لَقُضِيَ الْأَمْرُ ثُمَّ لَا يُنْظَرُونَ(8)
الْفَائِدَةُ فِي كَلِمَةِ (ثُمَّ) التَّنْبِيهُ عَلَى أَنَّ عَدَمَ الْإِنْظَارِ أَشَدُّ مِنْ قَضَاءِ الْأَمْرِ، لِأَنَّ مُفَاجَأَةَ الشِّدَّةِ أَشَدُّ مِنْ نَفْسِ الشِّدَّةِ.
(قُلْ سِيرُوا فِي الْأَرْضِ ثُمَّ انْظُرُوا كَيْفَ كانَ عاقِبَةُ الْمُكَذِّبِينَ(11)
«فَإِنْ قِيلَ» : مَا الْفَرْقُ بَيْنَ قَوْلِهِ (فَانْظُروا) [آل عمران: 137] وَبَيْنَ قَوْلِهِ (ثُمَّ انْظُرُوا) ؟
قُلْنَا: قَوْلُهُ فَانْظُروا يَدُلُّ عَلَى أَنَّهُ تَعَالَى جَعَلَ النَّظَرَ سَبَبًا عَنِ السَّيْرِ، فَكَأَنَّهُ قِيلَ: سِيرُوا لِأَجْلِ النَّظَرِ وَلَا تَسِيرُوا سَيْرَ الْغَافِلِينَ.
وَأَمَّا قَوْلُهُ (سِيرُوا فِي الْأَرْضِ ثُمَّ انْظُرُوا) فَمَعْنَاهُ إِبَاحَةُ السَّيْرِ فِي الْأَرْضِ لِلتِّجَارَةِ وَغَيْرِهَا مِنَ الْمَنَافِعِ، وَإِيجَابُ النَّظَرِ فِي آثَارِ الْهَالِكِينَ، ثُمَّ نَبَّهَ اللَّه تَعَالَى عَلَى هَذَا الْفَرْقِ بِكَلِمَةِ (ثُمَّ) لِتَبَاعُدِ ما بين الواجب والمباح. واللَّه أعلم.
(قُلْ لِمَنْ مَا فِي السَّماواتِ وَالْأَرْضِ قُلْ لِلَّهِ كَتَبَ عَلى نَفْسِهِ الرَّحْمَةَ لَيَجْمَعَنَّكُمْ إِلى يَوْمِ الْقِيامَةِ لَا رَيْبَ فِيهِ الَّذِينَ خَسِرُوا أَنْفُسَهُمْ فَهُمْ لا يُؤْمِنُونَ(12)