الجواب أن يقال: قدم الله تعالى الوصية بالأشرف الأعظم وهو الإيمان بدل الشرك وفيه أداء حق أكبر المنعمين، ثم الإحسان إلى الوالدين ونعمتهما على الولد أكبر النعم بعد نعمة الله فحقهما يتلو حقه، ثم الإحسان إلى الأولاد بتربيتهم وترك ما كانت عليه العرب في جاهليتها من وأد البنات للفقر والإملاق، ثم أن لا يقربوا ما لعله أن يكون سبب ولد لا يصح نسبه وهذا في النهي عن سبب الإحداث، كالأول في النهي عن سبب الإهلاك، ثم أن يحقنوا الدماء ولا يسفكوها إلا بحقها وهو أن يقتلوها للقصاص والزنا بعد الإحصان والكفر بعد الإيمان. فهذه خمسة تتعلق بأكبر الحقوق وأوكد الأصول، والشرك اعتقاد مذهب باطل بهوى، وترك الإحسان إلى الوالدين يكون إما لمحبة مال لا يسمح به لهما، أو اتباع هوى يدعو إلى مخالفتهما، ووأد البنات لخوف الفقر والعار والزنا وما يقبح جدا من المعاصي تحمل عليه الشهوة، وقتل النفس بغير حق يدعو إليه شفاء غيظ النفس الأمارة بالسوء. وكل ذلك قبيح في العقول محتاج في ذمّ النفس عنها إلى زاجر من عقل يدفع الهوى فلهذا قال: {لَعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ} أي: تستعملون العقل الذي يحبس نفوسكم عن قبيح الإرادات وفواحش الشهوات، وبعد هذه الخمسة خمسة أخرى هي متعلقة بالحقوق في الأموال دون النفوس، فأولها: حفظ مال اليتيم عليه لأنه لا يقوى على حفظه والأطماع تمتد إلى ماله وذو الولد يفكر في حاله وما يكرهه لولده فلا يستجيزه لولد غيره، وبعده التعديل في الكيل وإيفاء الكيل والوزن بالقسط، وهو الذي توعد الله عليه في قوله: {وَيْلٌ لِلْمُطَفِّفِينَ الَّذِينَ إِذَا اكْتَالُوا عَلَى النَّاسِ يَسْتَوْفُونَ وَإِذَا كَالُوهُمْ أَوْ وَزَنُوهُمْ يُخْسِرُونَ} ومعنى قوله: {لَا نُكَلِّفُ نَفْساً إِلَّا وُسْعَهَا} أي: إذا اجتهدت في التحري وتوخي القسط