الجواب أن يقال: قوله: {مَا أَشْرَكْنَا} مستغن عن ذكر المفعول به وإن كان في الأصل متعديا إليه لقوله: أن تشركوا به شيئا، وإنما لم يحتج إلى ذكر المفعول به كما احتاج إليه {عَبَدْنَا} لأن الإشراك يدل على إثبات شريك لا يجوز إثباته والعبادة لا تدل على إثبات معبود لا يجوز إثباته لأنها تدل على معبود هو مثبت لا يصح نفيه فقوله: {مَا عَبَدْنَا} غير مستنكر أن يبدو، وإنما المستنكر أن يعبدوا غير الله شيئا، فكان تمام المعنى بذكر قوله: {مِنْ دُونِهِ مِنْ شَيْءٍ} وكذلك: {وَلَا حَرَّمْنَا مِنْ دُونِهِ مِنْ شَيْءٍ} لا بدّ
مع {حَرَّمْنَا} من قوله: {مِنْ دُونِهِ مِنْ شَيْءٍ} لم يحتج إليه بعد قوله: {مَا أَشْرَكْنَا} لأن الإشراك دال على أن صاحبه يحرم شيئا من دون الله ولا يدل {عَبَدْنَا}
على ذلك فوفّى اللفظان في سورة النحل حقهما من التمام.
الجواب عن السؤال الثاني: وهو: توكيد علامة الضمير في سورة النحل بنحن، وترك ذلك في سورة الأنعام مع أن بعد واو العطف «لا» في الموضعين: هو أن كل ما أكد معنى الفعل الذي ضمير الفاعل كالجزء منه إذا وليه، ولم تكثر الحواجز بينهما قام مقام التوكيد بعلامة الإضمار مثل أنا ونحن، فقوله: {مَا أَشْرَكْنَا وَلَا آبَاؤُنَا} أشركنا منه منفي بما و «لا» بعد الواو مؤكد معنى «ما» الداخلة على الفعل، فكأنها مؤكدة للفعل، وإذا أكدت الفعل وعلامة الإضمار جزء منه فكأنها أكدتها ومثله: {فَاسْتَقِمْ كَمَا أُمِرْتَ وَمَنْ تَابَ مَعَكَ} {وَمَنْ تَابَ} عطف على المضمر لقوله: {فَاسْتَقِمْ} وصح لأن قوله: {كَمَا أُمِرْتَ} بمعنى استقامة مثل ما أمرت به، ف {كَمَا أُمِرْتَ} في موضع المصدر، والمصدر توكيد للفعل نفسه، فصار مثل توكيد ما هو كجزء منه فكان هذا المؤكد للفعل يليه في هذا المكان وفي قوله: {مَا أَشْرَكْنَا وَلَا آبَاؤُنَا} فأما قوله: