بعد ما عدد نعمه على خلقه وما وسعه من رزقه من الحب المعد للأقوات ومن ضروب الأشجار وصنوف الثمار، وكان هذا مستدعيا للإيمان به المشتمل على شكر نعمته والقيام بما فرض من طاعته وأوجب من عبادته كانت الآيات في ذلك معرضة لمن آمن بالله، فلذلك قال في الأخير: {إِنَّ فِي ذَلِكُمْ لَآيَاتٍ لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ} .
الآية الحادية عشرة منها
قوله تعالى: {ذَلِكُمُ اللَّهُ رَبُّكُمْ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ خَالِقُ كُلِّ شَيْءٍ فَاعْبُدُوهُ وَهُوَ عَلى كُلِّ شَيْءٍ وَكِيلٌ} وقال في سورة غافر: {ذَلِكُمُ اللَّهُ رَبُّكُمْ خَالِقُ كُلِّ شَيْءٍ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ فَأَنَّى تُؤْفَكُونَ} .
للسائل أن يسأل فيقول: لماذا قدم في سورة الأنعام: {لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ} على قوله: {خَالِقُ كُلِّ شَيْءٍ} وقدم في سورة غافر: {خَالِقُ كُلِّ شَيْءٍ} على قوله: {لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ} ؟.
الجواب: أن يقال: لأن ما في هذه السورة جاء بعد قوله تعالى: {وَجَعَلُوا لِلَّهِ شُرَكَاءَ الْجِنَّ وَخَلَقَهُمْ وَخَرَقُوا لَهُ بَنِينَ وَبَنَاتٍ بِغَيْرِ عِلْمٍ} فلما قال: {ذَلِكُمُ اللَّهُ رَبُّكُمْ} أتى بعده بما يدفع قول من جعل له شريكا فقال: {لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ} ثم قال:
{خَالِقُ كُلِّ شَيْءٍ} وفي سورة المؤمن جاء هذا بعد قوله: {لَخَلْقُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ أَكْبَرُ مِنْ خَلْقِ النَّاسِ وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لَا يَعْلَمُونَ} فكان الكلام على تثبيت خلق الإنسان لا على نفي الشريك عنه كما كان في الآية الأولى، فكان تقديم خالق كل شيء هاهنا أولى والله أعلم.
الآية الثانية عشرة منها
قوله تعالى: {وَلَوْ شَاءَ رَبُّكَ مَا فَعَلُوهُ فَذَرْهُمْ وَمَا يَفْتَرُونَ} وقال بعده:
{وَلَوْ شَاءَ اللَّهُ مَا فَعَلُوهُ فَذَرْهُمْ وَمَا يَفْتَرُونَ} .