عليهم كاللعب الذي ينطوي على أفعال تبطل في الآجل وإن سرت في العاجل، وهذا بعد الأول، وأكثر الكفار داؤهم اللهو وإن شغلهم الحال التي استصحبوها عن الكفر فيما يطرأ عليها. فوجب هنا تقديم ذكر اللهو لوجهين: لتقدمه على ما هو كاللعب، ولأنه فعل أكثرهم. واللعب الذي أريد في الآية الأولى فعل أقلهم وهو هناك أول وهو ما ردّ به ما جاء به الرسول صلّى الله عليه وسلم وأما قوله تعالى في سورة الحديد:
{اعْلَمُوا أَنَّمَا الْحَيَاةُ الدُّنْيَا لَعِبٌ وَلَهْوٌ وَزِينَةٌ وَتَفَاخُرٌ بَيْنَكُمْ وَتَكَاثُرٌ فِي الْأَمْوَالِ وَالْأَوْلَادِ}
وتقديم اللعب فيه على اللهو، فلأن معناه: الحياة الدنيا لمن اشتغل بها ولم يتعب لغيرها من أعمال الآخرة مقسومة من الصبا، وهو وقت اللعب وبعده لهو وهو الترويح عن النفس بملاعبة النساء، ويتبع ذلك أخذ الزينة لهن وتبرجهن ومن أجل الزينة نشأت مباهاة الأكفاء
ومفاخرة الأشكال والنظر، ثم بعده المكاثرة بالأموال والأولاد، فترتبت الحياة على هذه الأحوال فوجب تقديم حال اللعب على حال اللهو، واللهو إذا أطلق في كلامهم: هو اجتلاب المسرة بمخالطة النساء ولذلك قال امرؤ القيس:
ألا زعمت بسباسة اليوم أنني ... كبرت وأن لا يحسن اللهو أمثالي
وقال آخر:
لهونا بمنجول البراقع حقبة ... فما بال دهر لزّنا بالوصاوص