قال ابن النحاس في المشارع"جرت السنة في معاملة الله عبيده بفضله وكرمه، أن من توجه بصدق إلى شيء من القربات فمنعه منه القدر الإلهي مع شدة حرصه عليه، وتصميم قصده في طلبه، أن الله يعطيه يوم القيامة أجر تلك القربة، تفضلا منه وإحسانا لحسن قصده لإخلاص نيته وصدق طويته، والدليل على ذلك أن من خرج مجاهدا فمات كان شهيدا، كما سيأتي في بابه إن شاء اللّه وكذلك من حج فمات كتب حاجا."
وقد قال صلى الله عليه وسلم في المحرم الذي سقط عن بعيره فمات:"إنه يبعث يوم القيامة ملبيا".
وكذلك قوله صلى الله عليه وسلم:"من أتى فراشه وهو ينوي أن يقوم يصلي من الليل، فغلبته عينه حتى أصبح كتب له ما نوى، وكان نومه صدقة عليه من ربه"رواه النسائي، وابن ماجه، وابن خزيمة في صحيحه من حديث أبي الدرداء، ورواه أبو داود، والنسائي - أيضا - من حديث عائشة.
وكذلك قوله في:"من توضأ فأحسن وضوءه ثم راح فوجد الناس قد صلوا أعطاه اللّه مثل أجر من صلاها وحضرها لا ينقص ذلك من أجورهم شيئا". رواه أبو داود، والنسائي، والحاكم وقال: صحيح على شرط مسلم وأشباه هذه الأحاديث كثيرة"انتهى."
فمن خرج مجاهدا ومات وهو كذلك، فإنه يكتب له أجر الشهادة التي طلبها ولم تحصل له.
وكفى بهذا فضلا وشرفا للجهاد، فحصول درجة الشهادة فضل عظيم، ومنزلة كبرى وهو يحصل للمجاهد بمجرد سلوكه لهذا الطريق ولو لم يقتل.
فمن أراد منزلة الشهادة فعليه بالجهاد، فهي حاصلة له إن شاء الله، إن قتل كان بها، وإن لم يقتل ومات أيضا كان بها.
انتهى ذكر فضائل الجهاد العامة هنا، لكنها لم تنته هي في نفسها بعد، ففضائله كثيرة وعظيمة، ولو حصل التدقيق في جمعها، لاجتمع منها فضائل أكثر من هذا، لكن الوقت لم يساعد، فجمعت هذه الفضائل على عجالة من أمري.
قيل:
الموت في طاعة الرحمن يُسعدنا * * والعيش في سخط الرحمن يشقينا
لقد رضينا الجهاد الصرف جائزة * * فضل الجهاد إذا نلناه يكفينا
بئس الحياة إذا الطاغوت عبَّدنا * * نجرُّ أيامها صغرًا مرائينا
أما المنية في عزّ وفي شرفٍ * * فهي الأثيرة نطريها وتطرينا