فأفادت الآيتان أن الجهاد سبب في حصول الهداية لأهله، وقد ورد عن سفيان أنه قال"إذا رأيت الناس قد اختلفوا، فعليك بالمجاهدين وأهل الثغور، فإن الله تعالى يقول"لنهدينهم"."
وقد قال تعالى"وإن الله لهاد الذين آمنوا إلى صراط مستقيم"فهذه الآية تفيد أن المجاهدين لهم هدايتان، هداية الإيمان بهذه الآية، وهداية الجهاد بالآيات السابقة.
ولا يعترض معترض بأن آية"والذين جاهدوا فينا لنهدينهم سبلنا"أنها نزلت في جهاد النفس، لأن السورة مكية، والجهاد لم يشرع إلا في المدينة! فإن هذا لا يؤثر في دلالة الآية لأن العبرة بعموم اللفظ لا بخصوص السبب، وأيضا فإن الآية تثبت أن المجاهدين تثبت لهم الهداية أكثر من غيرهم، لأن أعظم عبادة تحتاج إلى جهاد النفس هي الجهاد في سبيل الله، لأنه أشق عبادة على النفس، وحتى ولو سلمنا بعدم صحة الاستدلال بها، فإن آية سورة محمد مدنية وكافية في ذلك.
وهذه هداية عامة لأهل الجهاد، تشمل كل شيء، ولا يخرج منها شيء، وتكون في الدنيا والآخرة، ففي الدنيا يهديهم إلى طريق الرشد والصواب والحق والخير، وفي الآخرة من حين يبعثون من قبورهم إلى حين يدخلون الجنة بهدايتهم في أهوال القيامة وتأمينهم منها، وفي الجنة بعدما يدخلونها إلى منازلهم كما سبق في قوله تعالى"عرفها لهم"هكذا فسرها بعض المفسرين.
قال ابن عادل الدمشقي في اللباب في علوم الكتاب"قوله"سيهديهم"أيام حياتهم في الدنيا إلى أرشد الأمور، وفي الآخرة إلى الدرجات"انتهى.
قال الثعلبي في الكشف والبيان"سيهديهم"في الدنيا إلى الطاعة، وفي العقبى إلى الدرجات"انتهى."