ويعني هذا أن الأثر الفني عمل معقد ومركب، يتكون من مجموعة من العلامات. في حين، تتسم العلامة اللغوية، عند فرديناند دوسوسير، بالبساطة. وبالتالي، تتكون من علامتين فقط. ومن ثم، يعقد موكاروفسكي ترابطا بين الدلالة اللسانية والإحالة المرجعية.
يعد جان موكاروفسكي من الدارسين الأوائل الذين خاضوا في مسألة التلقي، قبل مدرسة كونستانس الألمانية (يوس وإيزر) ، وأيضا قبل مدرسة بوردو السوسيولوجية. وبذلك، فقد سبق إلى وضع نظرية جمالية للتقبل. ومن هنا، فالنص الأدبي أو الفني أو الجمالي عبارة عن استشراف مستقبلي، وسيرورة تناصية، لا تتحقق فعاليته إلا بتفاعل التلقي مع الإنتاج. أي: لايكون للنص حياة أو انتشار أو مقبولية إلا بتقبله من قبل القارئ الضمني أو الافتراضي الذي يدخل معه في علاقة تبادل وتفاعل وسجال، بإعادة بناء النص من جديد، ضمن ما يسمى بالإنجاز التأليفي أو التركيبي. وبالتالي، فدور المتلقي إيجابي وهادف وبناء.
ويعني هذا أن القراءة هي التي تعطي القيمة للعمل الأدبي والفني، بممارسة التأويل، والانتقال من المحدد السيميوطيقي إلى غير المحدد على مستوى التواصل. ويمكن الحديث أيضا عن اختلاف القراءات الجمالية شكلا وكيفا، وتعددها من عصر إلى آخر. ويصدر المتلقي دائما، في قراءته للأثر الأدبي أو الفني، عن معايير فنية وجمالية وقيمية ووجودية وسياسية وثقافية ما، لإعطاء قيمة ما لذلك المنتج الجمالي.
وهكذا، يبدو لنا أن جان موكاروفسكي كان منظرا لجمالية التلقي إلى جانب يوس، وإيزر، وستانلي فيش، وإسكاربيت، وجون ستاروبنسكي، وآخرين ... وما يهمنا في نظريته هو التوقف عند الإنجاز الذي يقوم به المتلقي الإيجابي، حينما يواجه الأثر الأدبي والفني، وينتقل من الشيء المادي إلى الموضوع الجمالي، بربطه بالسياق المرجعي الكلي،