فهرس الكتاب

الصفحة 115 من 203

العملية والحياتية، إلا أنها لا تعتبر، في الوقت نفسه، تعبيرا عن الموقف الإيديولوجي الخاص بالمؤلف (مثلما هو الحال عند بايرون) . إن وعي البطل يقدم - هنا - بوصفه وعيا غيريا؛ وعيا آخر، إلا أنه، في الوقت نفسه، غير محدد، ولا يجري التستر عليه، كذلك فإنه لا يصبح مجرد موضوع بسيط لوعي المؤلف. وبهذا المعنى، فالبطل، عند دويستفسكي، لا يعتبر صورة موضوعية اعتيادية للبطل في الرواية التقليدية." [1] "

ويعني هذا أن كل شخصية في الرواية البوليفونية لها حرية كاملة ومطلقة في امتلاك وعي مستقل، يعبر عن كينونتها وهويتها وطريقة تفكيرها، ومنفصلة عن طريقة تفكير الكاتب. وهذا ما يقرب الرواية البوليفونية من الرواية الأطروحة ذات الطبيعة الديمقراطية القائمة على الحوارية الذهنية، والتعددية الإيديولوجية.

المطلب الرابع: التعددية في المواقف الإيديولوجية

تستند الرواية البوليفونية إلى تعدد الشخصيات التي تتمتع بنوع من الاستقلالية النسبية في التعبير عن أفكارها، والإفصاح عن مشاعرها الوجدانية. كما تدافع هذه الشخصيات عن معتقداتها الشخصية بكل حرية؛ فتعرض أطروحتها الإيديولوجية التي قد تكون مخالفة لإيديولوجية الكاتب، ومتعارضة معها بشكل كلي. وتعد روايات دويستفسكي نماذج تمثيلية لهذا النوع؛ حيث يرى ميخائيل باختين أنه،"من الناحية الإيديولوجية، يتمتع البطل باستقلاليته ونفوذه المعنوي. وينظر إليه بوصفه خالقا لمفهوم ايديولوجي خاص وكامل القيمة، لا بوصفه موضوعا لرؤيا دويستفسكي الفنية المتكاملة." [2]

ومن هنا، فالشخصيات الروائية - كما قلنا سابقا - هي بمثابة وجهات نظر فكرية، وأقنعة رمزية وإيديولوجية. ومن ثم، فبطل دويستفسكي - مثلا -، حسب ميخائيل باختين،"ليس مجرد كلمة حول نفسه هو بالذات، وحول الوسط الذي يحيط به مباشرة،"

(1) - ميخائيل باختين: نفسه، ص:10 - 11.

(2) - ميخائيل باختين: نفسه، ص:9.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت