فهرس الكتاب

الصفحة 114 من 203

وجنايات للتعبير عن أفكارها، أو للتخلص من أعدائها الآخرين. وبتعبير آخر، فالشخصية غير المنجزة هي الشخصية المهووسة والمريضة نفسانيا.

المطلب الثالث: التعددية في أنماط الوعي

تعبر الشخصيات البوليفونية عن أنماط عدة من الوعي، ولاسيما الوعي الإيديولوجي منه. فهناك من يملك وعيا زائفا، وهناك من له وعي واقعي عن العالم الذي يعيش فيه، وثمة شخصيات أخرى لها وعي ممكن، أو تصورات مستقبلية إيجابية ساعية إلى تغيير الواقع، واستبداله بواقع أفضل. بمعنى أن وعي الشخصيات قد يكون وعيا سلبيا أو وعيا إيجابيا. ويتعدد هذا الوعي بتعدد الشخصيات، وتنوع مصادر ثقافتها، واختلاف منظوراتها السياسية والحزبية والنقابية والاجتماعية والإيديولوجية. لذلك، تتعدد أنماط الوعي داخل الرواية البوليفونية، بينما تختفي لصالح وعي الكاتب المهيمن، أو لصالح وعي السارد المطلق، أو لصالح وعي الشخصية البطلة التي تدافع عن وجهة نظر الكاتب؛ كما يتضح ذلك جليا في الرواية المنولوجية، أو الرواية ذات الصوت الواحد.

وانطلاقا مما سبق، يقول ميخائيل باختين:"إن كثرة الأصوات وأشكال الوعي المستقلة، وغير الممتزجة ببعضها، وتعددية الأصوات الأصلية للشخصيات الكاملة القيمة - كل ذلك يعتبر بحق الخاصية الأساسية لروايات دويستفسكي. ليس كثرة الشخصيات والمصائر داخل العالم الموضوعي الواحد، وفي ضوء وعي موحد عند المؤلف، هو ما يجري تطويره في أعمال دويستفسكي، بل تعدد أشكال الوعي المتساوية الحقوق مع ما لها من عوالم، هو ما يجري الجمع بينه - هنا - بالضبط. وفي الوقت نفسه، تحافظ فيه على عدم اندماجها مع بعضها، من خلال حادثة ما بالفعل، فإن الأبطال الرئيسيين عند دويستفسكي داخل وعي الفنان ليسوا مجرد موضوعات لكلمات الفنان، بل إن لهم كلماتهم الشخصية ذات القيمة الدلالية الكاملة. ولهذا السبب فإن الكلمة التي ينطق بها البطل لا تستنفد هنا - أبدا- بواسطة الأوصاف الاعتيادية والوظائف ذات الدوافع"

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت